الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2014
 
الخميس 19 يونيو 2014

جريمة التواجد بمصر
محمد طلبة رضوان
مجرد الوجود في هذا البلد تهمة يعاقب عليها القانون، حين تسأل أحدهم ممن تعرض لسرقة سيارته أو اعتداء البلطجية على بيته، أو أي عارض يستوجب اللجوء إلى الشرطة في الأعوام الثلاثة الماضية يخبرك أنه ذهب ليشكو فلم يجد من ضباط القسم سوى الاستهتار واللامبالاة والرد دائما واحد: خلوا الثورة تنفعكم.

كانت الشرطة تعاقب المصريين كلهم على الثورة على دولة مبارك وأجهزتها الفاسدة، وبدلا من محاولة تجاوز أسباب الثورة عليهم، واستثمار رومانسية الثوار، أمعن ضباط مبارك وسيفه على رقاب المصريين في المزيد من الإذلال إزاء كل من لجأ إليهم مطالبا بحقه الدستوري والقانوني في الحماية التي يدفع مقابلها من ضرائبه ولا يجد سوى "خلوا الثورة تنفعكم".

لا يهم إن كنت قد اشتركت في الثورة أم لا، أيدتها أم لم تؤيدها، انتخبت مرسي أم شفيق، حتى لو انتخبت السيسي، أنت مصري في النهاية، وكل مصري يقع تحت أيدي أجهزة الأمن فهو مجرم، ذلك لأنه مصري، كان هنا يوم أن قامت ثورة، رأى باشوات الحكومة وهم يرتعشون أمام الثوار، وعليه أن يدفع الثمن، أجهزة مبارك ظلت تساوم المصريين طوال 3 سنوات في لغة بين اللامبالاة وإظهار العجز، ولكن دون اتخاذ وضعية الهجوم المباشر، ومع مجيء السيسي عادت الدولة رسميا إلى رجال مبارك، أصحابها، كما يزعمون، وبدأت المرحلة الانتقامية من المصريين جميعا.


شيء رهيب ذلك الذي نشرته الزميلة آيات قطامش أول أمس الإثنين 16/6 في بوابة مصر العربية عن قتيل قسم المطرية، أحمد محمد إبراهيم، شاب مصري، 23 عاما، متهم بسرقة "حلق"، إي والله العظيم، "حلق"، في بلاد يسرق حكامها التاريخ والجغرافيا ومعهما مال النبي والصحابة، ولا يهتز لهم جفن، وبعد أن أقسم المتهم بأغلظ الأيمان أنه لم يفعل حكموا عليه بـ 3 سنوات، خففت، وحصل على البراءة بعد 26 شهرا لحسن السير والسلوك، أحد أكثر أجهزة الدولة عداء للإنسان من حيث هو إنسان يرى أن "أحمد محمد إبراهيم" حسن السير والسلوك، بعد انقضاء مدة العقوبة تم ترحيله إلى عدة أقسام، ولم يحصل على الإفراج في موعده ذلك لأن حريته صادفت يوم تنصيب المشير رئيسا، ولهذا سجنوه أياما إضافية، فالسيسي والحرية لا يلتقيان، وفي ليلة الإفراج الأخيرة خاصم النوم عينا والد أحمد الذي بات ينتظر الصباح بصبر نافد ليهنأ بأحضان ولده بعد غياب طويل، وأخبر من حوله أنه عازم على تزويجه والفرحة به، وأخبره في زيارته الأخيرة له قبل الإفراج بأيام، غفل الأب لدقائق وهو يحلم برجوع العريس ليستيقظ منتصف الليل على صراخ الهاتف: ألو، أيوه يا بابا، الحقني يا بابا أنا بموت.

"ابنك مات" أخبره أحد "الباشوات" في القسم، دون أن ينظر إليه، قبل أن يسلموه جثة "أحمد" المشوهة، آثار تعذيب في ظهره وكتفه، آثار ضرب بعصا أو شومة، وجهه متورم بالكامل، وفي رأسه ثقب يكاد العظم يظهر من خلاله، هذا هو "العريس" الذي كان ينتظر الحرية وأحضان أبيه ورؤية أصحابه والزواج .. قتلوه في القسم، ولكن لماذا؟.

لا يعرف الأب لماذا، وقد قضى ابنه مدة عقوبته، وزيادة، وشهدت له الدولة بأنه حسن السير والسلوك، وسجنوه 26 شهرا بدلا من 3 سنوات مكافأة له على استقامته، ولا يوجد ما يستدعي تعذيبه، أو ضربه، أو حتى التعرض له، يقول الأب: إن "أحمد" كان يعاني من مشكلة صحية وشكا له في آخر زيارة إن "الزنزانة" غرفة ضيقة مسجون بها من 300 – 400 سجين، وحين طلب الأب أبسط حقوقه في أن ينتقل الولد إلى قسم دار السلام لأنه في محيط بيته وأكثر اتساعا رفضوا بعنف فسكت، وحين طلب مرة استدعاء طبيب لإبنه ضربه الضابط – ضرب الأب 59 عاما – فسكت، حتى جاء يوم الإفراج وذهب ليجد ابنه جثة هامدة، وآثار التعذيب والانتهاك الوحشي لآدميته لا يخلو منها موضع في جسمه.

ماذا فعل أحمد؟ لا شيء، ربما عبر عن فرحته بالخروج فأفسد فرحة "الباشوات"، ربما سمعه أحدهم وهو يخبر زملائه بأن أباه وعده بأن يزوجه، فلم يرضه أن يفرح الشاب فمارس ساديته عليه حتى الموت، ربما .. ربما .. بالفعل أحمد لم يفعل شيء، سوى كونه مصري يقترب من الحصول على حريته، هذا الهوس والحقد الذي يملأ قلوب الباشوات، ويدفعهم إلى الانتقام من كل من يقع تحت أيديهم وحده فيما يبدو يقف خلف تعذيب الشاب الصغير 23 سنة، والذي سجن في سرقة ولم يكن عضوا في تنظيم أو خصم للسلطة، ولم يسرق ملايين المصريين أو يستولي على مليارات المال العام، ولم يفسد الحياة السياسية، وربما لم يعرف شيئا من هذا كله سوى ما يسمعه من زبائنه.

أحمد كان يعمل قبل سجنه طيلة اليوم في "ماكدونالدز" وكان الأب المشفق يطلب منه أن يعمل "شيفت" واحد ويتمتع ببعض الراحة، إلا أنه كان يرد: الشغل أحسن من كافيهات النت وتضييع الوقت .. عايز أعمل قرش وأتجوز!!!
أحمد هو الضحية الثالثة لقسم المطرية في شهر واحد، سبقه موظف بوزارة المالية ذهب أولاده الأربعة وزوجته ليزوروه بعد 3 أيام من احتجازه فوجدوه داخل ثلاجة الموتى عظامه مفتتة، ولسانه مقطوع.. ونن العين مخلوع من موضعه وغير موجود، وشاب آخر يدعى مصطفى الأسواني قبض عليه من سايبر نت كان صاحبه يرفض الوشاية بزبائنه لقسم المطرية، فدهم ضباط القسم السايبر وقبضوا على كل من فيه ومنهم مصطفى الذي ظل ضباط الشرطة يضربوه لمدة 8 أيام دون أن يعرف لهذا سببا سوى مجرد وجوده في سايبر، وحين جاء أهله لزيارته تركوهم معه دقيقة واحدة أخبروهم بعدها أن الزيارة انتهت، ثمانية أيام يأتي أهله له بالطعام ، فلا يصل له، ويدفعون 20 جنيها رشوة كي يجد ابنهم مكانا للوقوف في الزنزانة، ممنوع النوم، وحين طلب مرة واحدة أن ينام أوسعوه ضربا، "علقة ميري" وظلوا يضربونه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، وحين جاءت والدته المسكينة لاستلامه وجدت آثار التعذيب بمشرط في كل موضع بجسمه، الطبيب الشرعي المحترم كتب أن مصطفى مات بسبب هبوط في الدورة الدموية، أما الأم فما زالت حائرة، حيث أخبرت زميلتنا في مصر العربية أن الموت قد يكون من شدة الجوع، أو من قلة النوم، أو من كثرة النزيف والضرب أو التعذيب، في النهاية مصطفى مات، فرحة العمر ماتت.

حدثني عن الدولة، وهيبتها، أظنك كنت تسأل لماذا حرق الثوار أقسام الشرطة، لعلك تحاول أن تستوثق من شيء ما عن الإرهاب، من يصنعه، من أين جاء، وفيما يستمر، أراك تحدثني عن العدل، شيوخنا، قساوستنا، الإجابة، محمد أحمد إبراهيم مات من شدة التعذيب بدلا من أن يتزوج، المظف المسكين صاحب البيت والزوجة والعيال الأربعة مات من شدة التعذيب وقطعوا له لسانه وخلعوا نن عينه، ومصطفى مات ربما من النزيف وربما من الجوع، والتهمة مصري .. موجود هنا أو كان موجودا هنا .. تذكر أنت تحمل تهمتك على ظهرك تاريخا وعشقا غير مبرر فاحرص ألا يراها "الباشا" الضابط .. إنا لله وإنا إليه راجعون.
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 جريمة التواجد بمصر

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7