الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2014
 
الإثنين 23 يونيو 2014

من الأهمية بمكان أن نؤكد أن الحديث عن المصالحة والمبادرات التي تتعلق بالمرقف المتأزم في مصر، والذي تراكمت أزماته بعد الانقلاب في الثالث من يوليو وكان هناك مبادرات كثيرة تفاوتت في محتواها ومضمونها وفي أهدافها وغاياتها، وكذلك اختلفت في إطار من يتقدم بها أو يقوم بعرضها، ومع مرور الزمن صارت هذه الكلمات المتداولة حول المصالحات والمبادرات كلمات سيئة السمعة لها من الحمولات السلبية التي صار البعض من جراء فشل كل تلك المحاولات أن يتصورها في إطار عدم الجدوى في حال عرضها أو في مآلاتها، ومن المهم كذلك أن الحديث عن المصالحة في الآونة الأخيرة ليس هو الحديث الأول ولكنه يعبر بشكل أو أخر عن بعض الأهمية التي يراها البعض بعد اكتمال مسرحية الانتخابات الرئاسية وتصدر السيسي المشهد الذي يتعلق بسدة الرئاسة وهو ما جعل البعض يعتبر ذلك مرحلة جديدة ربما تحمل سياسات جديدة فيما يتعلق بحالة المصالحة.

إلا أنه على جانب آخر يجب أن نشير ليس فقط إلى الحمولة السلبية إلى فكرة المصالحة ولكن كذلك يجب الإشارة إلى تعقد المصالحة كعملية خاصة بعد سقوط شهداء ودماء وهو أمر يعقد القضية في إطار ضرورات القصاص ويتكامل مع هذا التعقد من جراء الدماء أن هناك فجوة خطيرة في الخطاب حول المصالحة وقد نستمع إلى كلام كثير عن المصالحة بينما نشهد على الأرض أفعالا تتعلق بالمواجهة والاقصاء والاستبعاد بل والاستئصال أو ما هو في حكمه إلى الدرجة التي نشهد كل يوم سقوط شهداء جدد ومواجهات عنيفة للاحتجاجات واعتقالات ومطاردات وهو ما يعبر عن حالة وأجواء لا يمكن فيها الحديث عن أجواء المصالحات أو تقديم المبادرات.

كذلك فإن تعقد عمليات المصالحة قد يأتي أيضا من طريقة التعاطي مع المصالحة باعتبارها تكتيكا دعائيا، أو بين اعتبارها مسارا استراتيجيا يعبر عن رؤية للمستقبل السياسي لمصر والتي تؤكد على استعادة المسار الديمقراطي من جهة وتحقيق أهداف ثورة 25 يناير من جهة أخرى، وارتباط كل ذلك بإطار يرسم مسارات استراتيجية العدالة سواء العدالة القضائية والقانونية، والعدالة الانتقالية، والعدالة الاجتماعية والمجتمعية، ووجه التعقيد في هذا المقام أن البعد التكتيكي لرؤية المصالحة يقوم على قاعدة تجزئتها بحيث يتعامل معها في إطار التعامل بالقطعة والتجزئة بحيث يمارس فيها أقصى درجات المساومة والضغط ومحاولة تمكين منظومة سلطة الأمر الواقع الانقلابية في عملية المصالحة بما يجعل الأطراف الأخرى ضمن حالة إذعانية تقوم على قاعدة الفرض والاستسلام.

ومن ذلك النظر الدعائي والتكتيكي والتجزيئي للمصالحة تبدو عملية الاختزال لكل ذلك في قضية "الديات"، أو المسألة التي تتعلق بالمشاركة في الحياة السياسية أو الانتخابات البرلمانية، ويقوم هذا الاختزال المقصود بكل محاولة لتسويغ عمليات دمج مشروطة من دون أن يعتبر أن المسألة بالأساس إنما تعبر في حقيقة الأمر عن قضية وطن، وقضية شعب، وقضية ثورة؛ وهي أمور تحدد ما يمكن تسميته بالمستقبل السياسي لمصر في إطار استراتيجية واضحة تضبط كافة الملفات وعلى رأسها الملف المتعلق بالعلاقات المدنية العسكرية .

كذلك فإن من وجوه التعقيد الذي يحيط بهذه الفكرة الأمر الذي يتعلق "أن من تسبب في أصل المشكلة هو الذي يطرح عملية المصالحة ويزعم أنه يفتح أبوابها ويضع الشروط التي يراها للدخول في مساحات المصالحة"،على الرغم من أن السياسات على الأرض والإعدامات التي تصدر من مرفق العدالة والتي تتراكم يوما بعد يوم والعمليات الممنهجة لصناعة الكراهية مما يؤدي إلى استدعاء العنف ولا تبدو دعوى المصالحة التي تطلقها بعض أبواق المنظومة الانقلابية تمثل حالة من الرشد بل هي تدور في غالب أمرها إلى رؤية فرعونية طاغية تقوم على الاستبداد العتيد، والفساد المديد، وعلى قاعدة "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، وغاية الأمر في هذا المقام أن هذا الرشد المدعى ليس إلا تمكينا للاستبداد والفساد، وأن المسار الذي يقوم عليه لا يعبر بأي حال عن رشاد أو عقلانية "وما أمر فرعون برشيد"، فما نراه من استخدام القوة الباطشة بصلف وغرور ضمن مسار أمني يتحكم في مسار الأمور إنما يعبر عن سياسات تتعلق بالتنكيل المستمر وفي إطار منظومة تحاول تأميم مساحات الدين بغباء شديد وافتعال معارك تنتهي في النهاية إلى حالة من اغتصاب المجال الديني والمجال السياسي بل وساحات ومساحات المجال العام.

إن سياسات التنكيل التي تمارس على الأرض والمواجهات العنيفة للاحتجاجات لا تلتزم بأي قاعدة من القواعد بصدد التعامل حتى ولو كنا في ميدان قتال مع الخصم، أو حتى العدو، ما بالهم الآن يمارسون ضرب من هو في صومعته والاعتداء على المساجد وإغلاق بعضها ضمن سياسات وزارة الأوقاف بدعوى التنظيم فإذا بها تمارس أنواعا من التقييد والتحكم واغتصاب المجال الديني لا يليق بأي حال ببيوت الله، بل إننا يمكن أن نرصد مشاهد مأساوية تنبئ على التطاول على المرأة والطفل والشيخ؛ كل هذه الأمور تجعل من الوصايا التي أطلقها سيدنا أبو بكر رضى الله عنه في توجيهاته التي كانت توصي بـ : ألا قتل أو مطاردة لهؤلاء فإذا بقوات الأمن تخرج حتى على كل هذه الحدود والخطوط الحمراء في ممارسات ممجوجة ومجرمة لا تزيد إلا مساحات الغضب تراكما وتعاظما، وهو أمر يعقد أي مشهد من مشاهد المصالحة المزعومة .

في واقع الأمر أن من يتصدر لخطاب المصالحة هو ذاته الذي صنع المشكلة بيده وسد على نفسه كل المنافذ ولم يترك لنفسه أو لغيره أي مخارج من هذه الأزمة أو تلك المعضلة، ولا يمكن استنفار الناس وزرع الأحقاد وصناعة الكراهية والخوف ثم بعد ذلك تتحدثعن سياقات مصالحة لا تعرف على الأرض إلا مسارا أمنيا أو ممارسات تسير ضمن وطأة ما يمكن تسميته بالقبضة الأمنية، إن ما يمارس على الأرض من سياسات إنما تحكم سياسات غلق الأبواب ودخول السجون والزنازين وصناعة الخائفين الخانعين المذعنين، ومحاولة إرعاب الناس، فانفض الناس من مواقع التأييد إلى مواقع أخرى تسير ضمن ركاب صناعة الخوف وصناعة الرضا الكاذب، مواقع التفويض ومهرجانات التأييد لا تملك إمكانات الاستمرار والتأبيد؛ هذه الممارسات والسياسات جميعا تقول وبأعلى صوت حينما يكون الكلام عن المصالحة من جانبكفإن أفعالك تكذبك!، فمن يصدقك؟!؛ بأي أمارة يمكن أن يتصالح الناس وهناك تلك الانتهاكات للحُرمات تبدأ من القتل في ميادين الاحتجاجات أو حركة الاعدامات وتمر بالاغتصاب وتتخذ أشكال المطاردة والاعتقالات، المقدمات تدل على دعائية مشهد المصالحة وكأنها تطلق من باب سد الخانة والدعاية الخارجية.

كذلك فإن من العوامل التي يمكن أن تعقد هذه المصالحة وتجعلها مثل الطعام المسموم هي تلك الحالة النفاقية التي تقوم على التزيين، فتزين له من سوء عمله وفعله وتحرك كل سياسات الاستبداد والبطش وتجعله أمرا مقبولا حينما يتعلق الأمر بالعقول التافهة والتدبير الغبي والقرار الأحمق والسياسات العقيمة؛ كلها تصب في مسار يحكم إغلاق الأبواب دون المصالحة ذلك أن كل هذه الممارسات لا يمكن معها العودة أو الرجوع بل هي في النهاية تسير به إلى حتفه وفشله، الاستعانة بعجزة ووفاقة ومنافقين كل هؤلاء يقطعون الطريق على فهم الواقع المرير وإدراكه على ما هو عليه، فإذا تصور صاحب القرار أن قرارته تعلن على أنه صاحب قوة وبطش، وتشكل أفعاله على طريق المصادرة والسيطرة على أموال وملك الناس والهيمنة على الزكوات، وهدم صرح الشباب واتهامه فإن هذا الشخص الذي يحمل تلك السياسات لا مستقبل لوطن معه ولا مصالحة استراتيجية متكاملة وشاملة منه.

ما هي الصورة إذن التي تريد أن ترسمها لنفسك، والتي تريد أن تبنيها بفعلك ،وكيف يمكنك أن تبني هذه الصورة وأفعالك تكذب أقوالك؟، ونفسية الغدر والغادر تتحكم بك، يأيها الغادر القاتل إن منطق الأعداء في الحروب غير منطق الالتئام في الشعوب ،فماذا إن لم ترع أي قاعدة أو شرط فحتى لو اعتبرتها حروبا كما زينوا لك وبشروا بك وجعلوها حربا بلا ميدان وصراعا هدمت فيه الكيان والبنيان والإنسان والعمران في ممارسات قلت أنها مواجهة للإرهاب تبريرا وترويجا وتفويضا، ولم تكن فى الحقيقة إلا مواجهة لنسيج مجتمعي أصيب بالتمزق والعطب ،وكأنك تقوم بحملات عقاب في ظل مناخ من الفوضى والفرقة والاستقطاب، وحالة من الكراهية وتآكل الثقة والارتياب، هل ستقول لأهل مصر لقد عمرت الوطن وتركت المواطن والإنسان كالخراب اليباب، يا هذا خلعوا عليك النعوت والصفات، قالوا عنك رسول صدروك كإله أو نصف إله، قالوا عنك عمر بن الخطاب، وأين أنت من عدل عمر وعملك باد بظلمك وقتل بلا تورع أو شعور بالمسئولية، أين أنت من هؤلاء بانتهاك الحُرمات وانتهاك أعراض الحرائر والبنات، أين هيبة الدولة من سياسات خيبة الدولة في نقض وظائفها في الجوهر وأدوارها في المظهر والمخبر.

المصالحة والحال هذه مصالحة مسمومة غير مأمونة طالما كانت الحركة والفعل غير مسئولة، أخطاء متراكمة وثقة متآكلة وفئات مستقطبة متقاتلة وأبواق إعلامية تخرج كلامها من منقوع السموم سامة ومسممة، وعدل افتقد تحول فيه مرفق العدالة إلى حالة قمعية ومنظومة ظالمة، ماذا تبقى إذن ؟،مصالحة غائمة وقواعد غائبة ومسارات قاتمة وسياسات آثمة، وصراعات واستقطابات قائمة، وإثارة واستثارة لفتن نائمة، وافتقاد لأي أصول حاكمة، واختفاء قرارات مصيرية حاسمة، نقول إذن إن المصالحة استراتيجية شاملة، وليست حالة انتقائية لسياسات جزئية أو عملية دعائية تخاطب بها الغرب وتحاول بها الالتفاف على حقيقة الواقع المرير، أين أنت من كل ذلك في حديث مرسل عن المصالحة ، أقول لك ولمنافقيك أو حراسك وداعميك ،ماذا أعددت لها وقدمت وأحكمت؟ والذين قالوا أنك "عمر" والذي قيل عنه "حكمت فعدلت فأمنت فنمت"، يجب أن يقولوا لك أنك تحكمت فظلمت وبطشت وقتلت وحرقت وخنقت وغدرت وخنت وطاردت واعتقلت ،فأين أمنك إن لم تؤمن شعبك، منذ متى أمن الغادر أو الغاصب؟!، "أيحسب أن لن يقدر عليه أحد".
سيف الدين عبد الفتاح

 
 
   Bookmark and Share      
  
  المصالحة المسمومة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7