الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2014
 
السبت 28 يونيو 2014

بناء عقلية الجندي داخل الجيش
عبادة البغدادي
في ذلك المشهد المهيب يقف الشاب حديث التجنيد القادم من أطراف الصعيد أو من نجوع الريف المصري .. نُحتت على يديه شقوق حياة صعبة وكادحة طويله الايام وهو لايزال في زهرة الشباب اذا ما قدرت عمره بارقام مكتوبه.

يقف على تبة عالية "صول" ببشرته السمراء المحروقة وصوته الأجش ليحدثه بحياته الجديدة المقبلة: لتنس المدنية وأدرانها، نحن هنا في العسكرية المنضبطة، حيث الطهارة والاستقامة، حيث كل شيء بقدر مكتوب يعلمه "القائد" كل شيء بحساب وانت هنا من أجل "مصر".

"بلاي باك": مشهد قديم لشاب في الحقل يعمل على أنغام أم كلثوم تغني للوطن الحبيب "مصر"، نقطع على مشهد لبناء يرفع الطوب ويخلط الأسمنت على ألحان عبدالحليم يضحي بروحه لتعيش "مصر"، قطع على جنديين يقفان بمحاذاة أحدهما الأخر مُغرَورِق العينين وترتسم في عيني كل منهما صورة الأخر في المشهدين السابقين.

غبار عرق مياه شحيحة طعام قليل وسئ .. متطلبات الحياة العسكرية لأجل "مصر" .

هذه المقدمة الدرامية من الممكن أن تكون مهيئة لك لنتعرف معا إلى ذلك الجندي الذي يمسك سلاحا، يصوبه لصدر مدني ولا يمانع في أن تنفذ الرصاصة لتكون نقطة النهاية في حياة أحدهم.

ما الذي يدفع الجندي المصري لأن يفعل هذا؟

هناك مجموعة من النقاط من الممكن أن توضح الدوافع الكامنة وراء هذا السلوك الغير سوي والمنبثق عن إيمان ويقين والتي ربما قد تكون وسيلة لإيجاد طريقة للتعامل مع هذه العناصر وإيجاد طريق للثورة تمر من خلاله عن طريق فهم الطرف الأخر وعمليه غرس الأفكار لديه .

* العزلة داخل مجتمع الجيش

تشكل الفترات الطويلة التي يقضيها المجند داخل وحدات الجيش بعيدا عن الحياة المدنية منعزلا عن الأحداث بيئة خصبة لتكوين عقليات على هوى القيادات داخل الجيش حيث يعتبر مصدر المعلومة الوحيد متحكما في عملية تدفق المعلومات إلى الأفراد وهو ما يسمى مقارنة بنظريات الإعلام "حارس البوابة" وهو الشخص الذي يقوم بفلترة المعلومات فيسمح بدخول ما يراه مناسبا ويقوم بالحجر على ما يراه مؤثرا بالسلب على التكوين المعلوماتي الذي يسعى اليه .

* الإعلام داخل الجيش

بناءً على النقطة السابقة فإن مصادر المعلومات داخل الجيش بالإضافة إلى عملية الفلترة التي يقوم بها "حارس البوابة" فإنه يقوم كذلك بالتحكم في القنوات التي تتدفق منها المعلومات ويختارها بعناية وتكون غالباً ذات توجه موافق لما يريد، فلا تتعجب عندما تشاهد "توفيق عكاشة" توك شو وحدات الجيش وقناة الفراعين هي القناة المفتوحة في "الكانتين" على الدوام ، ولك أن تعلم بأن ثمة إتصالات مباشرة ما بين قيادات عليا بالمؤسسة العسكرية ومثل هؤلاء الإعلاميين الذين لا يقومون في النهاية إلا بتوجيه الرسائل التي تريدها تلك المؤسسة تحديدا وعبر توجيهات مباشرة وهنا يتمثل إستغلال نظرية "الرصاصة السحرية" أو "الحقنة تحت الجلد" وتتلخص في أن تلك المعلومات التي يتم بثها من خلال وسائل الإعلام لها تأثير قوي على اللاوعي لدى المتلقي مقارنة بأي مصدر أخر للمعلومات .

* استغلال قادة الرأي والرموز الدينية

أن هذا المجند القادم من أطراف الصعيد والريف عندما يلتقي بهذا "الرمز الديني" الذي يمثل "الدين" بالنسبة له والذي لا يراه إلا في الفضائيات فمن المستحيل أن يتناول بالتحليل ما يتم توجيهه إليه من رسائل وذلك لعدة أسباب مختلفة :

- الخلفية الإجتماعية لمجند الجيش العادة والمتوسط ( العادة - الأمي ويخدم ٣ سنوات ) ( المتوسط - مؤهلات متوسطة ويخدم سنتين ) هذه الخلفية الإجتماعية القائمة على تقديس مثل هذه الرموز وإستقبال رسائلها مباشرة دون أن تمر على أي منقحات عقلية أو فلاتر داخلية خاصة بعملية إستقبال المعلومة.

في الإعلام تنص نظرية التعرض الإنتقائي على أن المتلقي يقوم بالإنتقائية في التعرض وإستقبال المعلومات، وفيما يخص إستقبال المعلومات فإن هناك مجموعة من الفلاتر التي تمر من خلالها المعلومة حتى تصل إلى مركز الإستقبال لديه ويؤمن بها .. لكن هذه الحواجز والفلاتر تتحطم جميعها عندما يكون مصدر المعلومة هو شخصية ذات تأثير ممن يسمون "قادة الرأي" .

* تحمل المسؤلية المباشرة

عندما يجد الجندي البسيط خطابًا مباشرًا من خلال رتبة عاليه في الجيش ( لواء ) مثلا فإن ذلك يشعره بمدى المسؤلية التي يتحملها خصوصا وأن هذه الرسالة الموجهة توجيها مباشرا يتساوى فيها مع رتب أعلى منه من صف ضابط وضباط بإختلاف مستوياتهم .. توحيد الخطاب من خلال ندوات دورية تُعقد بهذا المستوى يُشعر الجندي بخطورة الوضع وأهمية ما يقوم به لحفظ "الوطن" خاصة مع استخدام خطاب عاطفي وحماسي يلعب على نقاط الضعف ويخلط الحقائق ويشرك هذا "المجند البسيط" في صناعة القرار ومستقبل الدولة .

كل هذه العوامل من وجهة نظري هي عوامل قادرة على بناء جندي يؤمن ايمانا عميقا بما يقوم به في مواجهة شعب أعزل ( لحماية الوطن ) من وجهة نظره .

ولا أنسى تلك الليلة في مستشفي رابعة بعد مجزرة الحرس الجمهوري عندما قابلت مصابا برصاص حي برفقة أخيه المجند حيث دار بينهما نقاش حاد لأن الأخ المجند لا يصدق أن الجيش هو من بدأ بالإعتداء بالرغم من أن المعتدى عليه شقيقه .. لكن كان بإمكاني تفهم الصورة الذهنية المرسومة في عقلية الأخ والتي لا يمكن للحقائق والواقع تغييرها .

إننا في مواجهة مؤسسة تبني أفرادها وتؤهلهم نفسيًا بشكل إستراتيجي يجعلها متماسكة تقاتل شعبها عن عقيدة وإيمان .. ولا يمكن إختراقها وإصلاح ما بنته في أذهان مجنديها إلا من خلال إستخدام إستراتيجيات إعلامية قادرة على إختراق هذه الأسوار العالية في الوحدات المنعزلة .

لقطات النهاية في أفلام "البرئ" و "احنا بتوع الأتوبيس" ليست دائما نهاية حياة المجند ومشهد الختام في خدمته في الجيش، وإنما في كثير من الأحيان هي مفرخة تُنتج العديد من أفراد الفلول ، حزب الكنبة ، "عبيد البيادة" ، احنا شعب وانتو شعب ، لذا لابد من مواجهة المنبع والتفكير الحقيقي في إيقاف ولادة دفعات متتالية من جنود مغيبين يتعاملون مع حياة الأخرين بعدد الفوارغ التي سيسأله عنها "القائد" بعد نهاية "المهمة".
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 بناء عقلية الجندي داخل الجيش

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7