الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2014
 
الأربعاء 9 يوليو 2014

الانقلاب من "حكومة البلاوي" إلى "حكومة مقلب"
سيف الدين عبد الفتاح
من رحم الحالة الانقلابية وُلدت حكومات منها ما كان برئاسة حازم الببلاوي التي قدمت جزءا مما أسميناه وقتئذ "بسياسات البلاوي"، وأخرى برئاسة إبراهيم محلب التي يمكن أن نسميها "حكومة مقلب" نسبة إلى السياسات الانقلابية من جانب، ونسبة إلى قيام هذه الحكومة بعقاب من تأمل فيها ليجد سياسات عقابية لهذا الشعب سواء فيما يتعلق بالرفع الممنهج للأسعار، وإلغاء الدعم ، والاستهانة بكل آثار اقتصادية يمكن أن تأتي على الفقراء.

حينما سئلت "حكومة مقلب" عن ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء وفقا لسياسات الحكومة في هذا المجال قالت أن تلك الآثار لن تطول الفقراء من قريب أو بعيد، وحينما سئل رأس "حكومة مقلب" عن كيف ذلك؟ قال ببساطة أن الفقراء ليس لديهم غاز، وحينما رفعت أسعار الطاقة فإن وزير التموين في "حكومة مقلب" تحدث عن أن رفع الدعم عن الطاقة سيؤدي إلى انخفاض الأسعار بالنسبة لكل ما يتعلق بمعاش الناس، وأجاب رئيس "حكومة المقلب" أننا وفقا لسياسات رفع الدعم فإننا بذلك نتحاشى مسار الاستدانة والفوائد التي تترتب على مثل هذه القروض، فى سياق معالجة الدولة على حساب المواطن.

والمشكلة الحقيقية في هذا الخطاب الذي يقوم على قاعدة الاستخفاف والاستهانة وتعبيرات أقرب ما تكون إلى المهانة، وفي إطار الإقرار بحالة الفقراء الذين لا يملكون فإنهم بذلك غير مضارين بهذه السياسات، وبدت الأمور كلها ضمن مسارات الإهانة لكل شعب مصر الذي وُوجه بخطاب وسياسات تعتبر من أخطر السياسات التي تستدعي مساحات إضافية من الغضب وتشكل في حقيقة الأمر حالة أخرى من أشكال الإعدام للمواطنين، فإذا كانت هناك إعدامات تقوم بها المنظومة الانقلابية من خلال أدواتها القمعية وبغطاء من القضاء بأحكام انتقامية وصلت إلى أحكام للإعدام فإن، ما يحدث من خلال هذه القرارات برفع الدعم ليست إلا وضعا لأناس من عموم هذا الشعب ممن يقعون في دائرة افتقاد الضرورات الأساسية لمعاشهم فإن ذلك بمثابة إعدام جماعي لهؤلاء وإدخالهم في حال الضرورة التي يخشى على كثير منهم الدخول في دائرة الهلاك والإهلاك.

ومن المؤسف حقا أن تظل السياسات الانقلابية و"حكومة مقلب" تقوم على قاعدة إفقار الفقراء وربما لا تطول هذه السياسات أصحاب المال والأعمال الذين هم ليسوا محلا لسياسات إلزامية بل مطالبتهم بتبرعات تطوعية خاصة أن هؤلاء والذين وقفوا في صف هذه المنظومة الانقلابية يطالبون الآن بتسديد الفواتير التي تتعلق بهم ، الذين استفادوا وقد اعتادوا دوما ضمن منظومة مبارك أن يكونوا جزءا من منظومة الفساد ومؤسساته، وبما يشكلون تحالفات ومصالح ما يمكن تسميته بدولة الفساد العميقة.

ورغم أن سياسات "حكومة مقلب" إنما تشكل في حقيقة الأمر مؤسسات الدولة الضد التي تقوم بعكس مقصودها والقيام بالوظائف المتناقضة لجوهر أدورارها الحقيقية التي يجب أن تقوم بها وعليها، إلا أن هذه الحكومة حملت في سياقات خطاب التبرير والتمرير جملة من السياسات تعبر عن ليس فقط بالاستخفاف بعقلية عموم الناس ولكن كذلك الاستهانة بتحدياتهم المعيشية وضروراتهم الحياتية، فبعد هذا الافتقاد الذي نراه في مجال الأمن والانهيار في أداء الخدمات وتحول الوزارات ضمن منظومة أمنية وكأنها جميعا تقدم معزوفة واحدة في تكميم الأفواه وترسيخ شبكة الاستبداد فصارت هذه المؤسسات لا تقوم بأي دور حقيقي في خدمة الناس أكثر من تهيئتهم للاستبداد والاستعباد.

"حكومة مقلب" ضمن خطابها المعلن الذي يقوم على حلب الفقراء وامتكاك عظامهم (بالتعبير الخلدوني) وامتصاص دمائهم إنما يعبر عن توجه يأتي على الفقراء رغم إدعاء هؤلاء أنهم يسيرون وبهذه السياسات استخفافا واستهانة لتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال هذه السياسات والتي هي في حقيقة الأمر لا تكرس فحسب إفقار الفقير ولكن الانتقال من سياسات "مفيش .. معنديش.. مش قادر أديك" إلى سياسات "أخلص عليك .. وإذا لم يعجبك فاضرب دماغك في الحيط"؛ سياسات الاستهانة تلك تؤكدها خطابات الرئيس المنقلب وحكومة مقلب رئيسا ووزراء.

وبالرؤية الدقيقة والعميقة فإننا نستطيع أن نقول ومن دون مواربة أن سياسات "حكومة البلاوي" أو "حكومة مقلب" شكلت عملا ممنهجا للوقوف فى مواجهة شعار ثورة 25 يناير ومحاولة تفكيكه واعدام مفرداته واحدة بعد الأخرى فها هو "العيش" يُمتهن ويُضيّق به على الناس حتى أنهم يلجئونهم إلى حالة من الحرج والعنت والمشقة على مشارف بوابات الهلاك والإهلاك، وهاهم بعد ذلك في تلك الحكومات يصادرون كل "حرية" أساسية وكل حقوق إنسانية في سياق سياسات أمنية قمعية واعتقالات عشوائية ومحاكمات انتقامية تنتهك كل الحريات الأساسية والحقوق التأسيسية، نرى ذلك في القتل الممنهج في الاحتجاجات والمظاهرات والاعتقال الواسع في السجون والمعسكرات، كذلك أيضا ، ها هي "الكرامة الإنسانية" تداس بالأقدام من خلال سياسات إجرام وإعدام تقوم بها المؤسسات فلا تجعل للإنسان كرامة في كيانه وبنيانه ولا تجعل للمواطن مقاما في وطنه وفي أمانه، وتأتي الطامة الكبرى لتكون سياسات الحكومات الانقلابية ، "حكومة البلاوي" و"حكومة مقلب" ، ناقضة وهادمة لشعار "العدالة الاجتماعية" والقيام بسياسات مضادة تقوضها وتكرس كل سياسات الظلم الاجتماعي والقهر لعموم الناس وتبديد المصالح الأساسية والضرورات التي تتعلق بحياة الجماهير، الأمر إذن هو في قيام هذه الحكومة بالقضاء على ثورة 25 يناير ومصادرة شعارها مفردة بعد مفردة بسياسات إعدام حقيقية لكل مكونات هذا الشعار وكأن العمل الانقلابي ومن خلال تمثيله للثورة المضادة يأتي على الثورة الحقيقية ثورة يناير بالانقلاب والحصار لكل مكتسباتها وأهدافها.

إلا أنه من الضروري أن نشير إلى خطاب قد ساد بين عموم الناس ومن تيارات سياسية مختلفة يتحدث "حديث الشماتة" وفي إطار يؤكد أن من أيد وفوض يستأهل كل ذلك، وكأن الخطاب المتعلق بالمطالبة بالغذاء يتعارض مع المطالبة بالقصاص للدماء، وبدا هذا الخطاب متناقضا في مطالبة الناس بالعيش الكريم والحد الأدنى من ضرورات الغذاء، مع ضرورة الوقوف ضد من استباح أو استهان بالأرواح والنفوس والدماء، إن خطابا السياسة والاجتماع لابد أن يصطفا في سياق واحد وفي مقام متحد، لا يمكنه إلا أن يرى السياسة باعتبارها "معاش الناس" ، ومعاش الناس يكون بالحفاظ على كيان الإنسان ونفسه من خلال حقه التأسيسي في الحياة وحقه الأساسي في العيش الكريم، إن خطاب الاصطفاف في هذا المقام هو الذي يشكل لحمة الوطن حينما يلتحم الشباب بحاضنته الشعبية متلمسا همومها وضرورات معاشها

وكما أكدنا فإن هذه الحكومات الانقلابية والرئيس المنقلب إنما يقومون بعمل ممنهج لإذلال هذا الشعب وإدخاله صناديق الخوف والخنوع لسياسات الاستبداد في إطار اعتقال الأنفس وإعدام لها لأسباب تتعلق بالرأي أو الاتجاه، أو إعدام يتعلق بتكريس الفقر والإفقار، بالجوع والتجويع، عمليات بعضها من بعض ، من "حكومات البلاوي" إلى "حكومات مقلب" يتم فيها إعدام الناس وإعدام الحرية وإعدام العيش الكريم.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الانقلاب من "حكومة البلاوي" إلى "حكومة مقلب"

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7