الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2014
 
السبت 12 يوليو 2014

في الوقت الذي قطعت فيه أوروبا حرب الثلاثين عاما، كانت الخلافة العثمانية في أوجها. في الوقت الذي خسرت فيه ألمانيا ثلث سكانها، و نصف رجالها في حرب طائفية بالدرجة الأولى، كانت الدولة العثمانية تعتلي سلطة العالم.

في التاريخ سنن، بعضها يقول، أن الدماء يجب أن تروي الأرض بالملايين قبل أن تنبت زهرا حيا. و أن الحلقة تبدأ بتفتيت الدول الكبرى لدول أصغر، ثم يتم هضم حقوق الأقليات العرقية أو الدينية بالاستبداد، ثم يتم صناعة حالة من السلام الوهمي، لا يلبث إلا أن ينهار بطائفية دموية، و حسابات سياسية أعلى من الطائفية، و من ثم يبدأ التشكل الجديد... بعد أن يدفع الجميع الثمن.

يتعجب البعض من دعم السعوديين للحوثيين -الشيعة- في اليمن جنوب السعودية خوفا من الإخوان المسلمين هناك، على الرغم من علاقات العائلة المالكة المتشابكة مع الأمريكان و صمتهم على حكومة شيعية اخرى بالعراق، أو حتى دعم النظام الطائفي في سوريا! صحيح السعودية تدافع عن الوهابية-السنية ولكن في السياسة أمور أخرى.

اشتعلت حرب الثلاثين عاما بالأساس بين الكاثوليك و البروتستانت في أوروبا، ما بين هولندا و ألمانيا و فرنسا... وامتد الصراع لأسبانيا وإيطاليا ولم يطل أبدا انجلترا غربا أو روسيا شرقا. المهم، أن فرنسا الكاثوليكية ساندت البروتستانت في الحرب لإضعاف منافسيهم في هابسبورج. وانتقلت الحرب الطائفية لتصبح حرب سلطة سياسية.... مرة أخرى.

بعد أن قتل ثلث سكان التشيك، و تقريبا نصف ذكور ألمانيا، قام ملك اسبانيا بعمل صلح يفرض فيه السلام على فرقاء الكاثوليك و اللوثريين في ألمانيا. في نفس العام الذي كان فيه الخليفة العثماني (أمير المؤمنين) يُخلص أجزاء من شبه الجزيرة العربية من احتلال البرتغاليين لها... و أطلق عليه اسم "القانوني" لكثرة اهتمامه بالقانون، وبفرضه...في وقت عمت الطائفية فيه أوروبا...

ولكن السلام بين الطوائف لاتفرضه القوى، لا يأتي امبراطور اسبانيا، ولا رئيس أمريكا ليفرض حالة من الوئام بين الفرقاء. لم يكن ممكنا أن يدوم الصلح الذي بناه امبراطور اسبانيا بتقسيم الناس بين ديانتين ليختاروا منهم ما يشائوا (لوثريين و كاثوليك)، خاصة و أن منهم من اعتبرها مجرد هدنة(اللوثريين)، قامت الحرب مرة أخرى، في نصف قرن أو يزيد... في مطلع القرن السابع عشر، إلا أن برزت افكار القومية، من رحم الأزمات، وولدت اوروبا الجديدة.

المقارنة بين وضع أوروبا في القرن السابع عشر، و بين حال أرض العراق، و أن أمريكا أو غيرها من القوى لم تحسب حساب "الفتنة" بين السنة والشيعة عرضها مفوض العلاقات الخارجية الأوروبية الأسبق في مقال له عن "تنظيم السلام بالشرق الأوسط". لا أحد يتخيل كيف سيحل الشرق الأوسط خلافاته بين الشيعة و السنة في خضم كل تلك الدراما السياسية.

الأكراد يريدون حريتهم، حرب طائفية صريحة في سوريا، أول إعلان لخلافة إسلامية في القرن الجديد... حتى أسامة بن لادن أكثر أهل الأرض أصولية لم يكن ليعلن نفسه خليفة للمسلمين، مجرد الفكرة تدعو للتأمل. داعش قد تتقدم في اتجاه السعودية، أو الأردن.

مدير مخابرات مصر، يعود من إسرائيل قبيل الهجوم على غزة، و مصادر إسرائيلية تؤكد الترتيب المسبق مع مصر. ملك مصر الجديد، يقف صامتا بينما يتم دك غزة ليل نهار، لأن ذلك على هواه السياسي (دك حماس). في نفس الوقت الذي يتحدث بعضهم عن أن جيش مصر يدافع فقط عن مصر، و تخسر مصر قوتها الناعمة، لصالح دويلة قطر التي تتدخل للوساطة بين حماس و إسرائيل.

خريطة مصر يتم تقسيمها لمحافظات "فيدرالية" يتمتع أغلبها بمنفذ بحري، وكأننا نمهد بأنفسنا لخطوة التقسيم الجديدة في سنوات قادمة، حكومة فيدرالية في العراق تدعمها السعودية و تركيا، لا تلبث إلا أن تنهار. و خطر كردي مرة أخرى على تركيا.

حالة من "الظلم" الغير مسبوق في كل أراض العرب، حالة من البغض... تجعلك تتأمل لحظة حتى في الفعل الذي ينبغي عليك أن تفعله:

تقول: " وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)" محمد
و تقول، ربما علي أن أبذل مجهودا أكبر، فيم ؟! عليا الثبات! كيف؟
التظاهر، أم كتابة ستاتس جديد على الفيس بوك، أم الصياح بعجزك؟!

ثم تحدث نفسك: كيف تشرح لأحدهم أن غزة منك، العراق منك، سوريا منك، و أن ملكنا لص، و سفاح و مجرم، و أنهم خونة و "(إنّه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن)"
وأنهم في ظلمهم جميعا، كظلم أهل نوح، و أن العذاب فيهم مشيئة الله، وأنهم فقط يسيرون لتلك الوجهة منذ البداية... وأنك ربما تعطلها! لك شيطان عظيم يا رجل.

و أنه إن كان عليك أن تنشغل، فلا يجب أن تنشغل بالحلزونة التاريخية، التي يعيد فيها التاريخ نفسه... و كأنك عابد في كهف، سلفي يؤمن بأن ما نحن فيه من ذنوبنا! وأن الله يعذبهم ليطهرهم، و أنه قد يأمر كما أمر أيام نوح بإغراقهم كلهم...ولكن على نوح... أن يبني السفينة، و عليه أن ينجو، و عليه أن يأخذ معه ما يعينه على الرحلة، و أن يبدأ في أرض جديدة، و أن يتركهم جميعا لمصيرهم المحتوم... منذ البداية.

لا أحد يعرف مشيئة "الرب".

في أوروبا، المسيحية، و في بجليكا الكاثوليكية، يُفتح مسجد الطلبة المسلمين بالجامعة الكاثوليكية طوال الليل. لأن صلاة القيام التي تكاد تبدأ قرب منتصف الليل، يتبعها صلاة تهجد ينظمها الطلبة المسلمين. و أنه بالكاد تلاصق نهايتها آذان الفجر التالي... لا يُغلق المسجد أبدا.

حين أنظر لذلك، ولتلك الصلاة التي لا أقو عليها و أكاد لا أصليها، و أنظر للمساجد التي تم إغلاقها في مصر، أو تلك التي يُمنع فيها التراويح، أو تلك التي تحدد فيها مدة الصلاة، و الإمام:

أعرف أن بلجيكا الكاثوليكية، مهد الحملات الصليبية، أصبحت أكثر إسلاما من مصر.

أعرف، أني كسول، عاجز عن دفع أي ضرر عن أهل غزة، أو العراق، أو مصر، أو حتى عن أقرب الناس لدمي... أعجز حتى عن الكتابة... و أخاف أن أكون ممن قيل فيهم "تولوا" أو أكون كالذي كفر و آمن لما أدركه الموت، أكفر بالتغيير و أنتظر المعجزة أن تأتي من السماء... ولن تأت، أو ربما تأتي فأقول مثله:
﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾
قال :
﴿ أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾ (يونس 91)
و أكون أيضا ممن يحق فيهم العقاب... أيعذبني الله؟

و الله يا رب ما توليت، و الله يا رب ما أعرف الطريق، و الله ما زلت أبحث
يا رب إلى من تكلنا؟
إن كانت تلك مشيئتك فينا، فحمدا لك على ما تقضي، إن تعذبنا فإنا عبادك، و إن تغفر فأنت أرحم الراحمين.

لا تحل المعضلة التاريخية في يوم وليلة، ربما عشرات الأعوام، تنهار الأمم العظيمة، و تقوم الأمم الضعيفة المتفككة من رقادها. لا يعرف أحد إلى متى سيكون "التفكك"، و إلا أي مدى؟

لا أحد يعرف مشيئة الله... أيمن علينا و يجعلنا الوارثين؟ أم يهلكنا معهم؟!

لا تحل الحلزونة التاريخية، حتى يجد كل صاحب دين مأمنه في بلادنا، حتى يجد كل مسلم راحته في مسجده، بالشكل الذي يرضيه كأي حر، حتى يجد كل مسيحي ما يأمله في وطن، حتى يجد كل عربي حريته في رأيه، ولو كان "انفصالا" عن الدولة الوهمية التي خلقوها له، أو ضموه إليها، لا تستقر الدنيا قبل انهار من الدماء... تخضب الأرض، فتنبت أزهارا. قبل ذلك. وحده الله يعلم كل شيء.

لا أحد يعرف إجابة: ماذا عليك أن تفعل الآن؟!
أظنه "الامتحان"، فلينظر كل منا ماذا يكتب. لا أحد يعرف الإجابة.... فقط أولئك الذين ماتوا، وعلى وجوههم ابتسامة ما رأو...

اللهم ألحقنا بهم،
مقبلين.
أحمد عبد الحميد

 
 
   Bookmark and Share      
  
 نوح و الحلزونة التاريخية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7