الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2014
 
الأربعاء 30 يوليو 2014

 بقلم : عزت النمر
الغرب من خلال اكتشافاته واختراعاته واحيانا شهواته ونزواته فرض نفسه كقاطرة للعالم وقائد له خلال القرون القليلة الماضية, التقدم العلمي والتقني للغرب ونموذج الديمقراطية الذي قدمه وسلاسة وانسيابية تدول السلطة , كل ذلك قدم العالم الغربي على أنه النموذج الكامل والحلم المأمول لكل الحالمين بالتغيير باختلاف اطيافهم خاصة في عالمنا العربي .

الشباب العربي ورجال المشرق ونسائه ظلوا لفترات طويلة ينظرون بإجلال الى نواحي تميز الغرب المختلفة , القدرة العسكرية والترف الاقتصادي بل وحتى التفوق الرياضي والكروي , وعلامات كثيرة أبهرت المتابعين للحالة الغربية , ذلك في الوقت الذي لم يكن يُرى في مشرقنا العربي ايجابيات تُذكر او نماذج تُقدم أو حتى أمل أو حلم يُنتظر.

سؤال مهم يطرح نفسه مع قيادة الغرب للعالم وتصدره المشهد وما انطوت عليه من مؤهلات . هل قدم الغرب مبدأ يُحتذى أو قيمة حقيقية او إضافة اخلاقية تتناسب مع ذلك العلو المادي والحضارة العلمية ؟!.

قد يقول قائل أن الديمقراطية واحترام حقوق الانسان هي قيم قدمها الغرب وتفرد بها أو على الأقل نفض التراب عنها وأعاد اكتشافها وقدمها كمنتوج حضاري حصري سُجل باسمه, نعم ولكن على الجانب الآخر هل نشر أو ساهم الغرب في نشر هذه القيم التي تغنى بها وجمل بها وجهه؟ أم أنه ضن بها وأبى أن يصدرها للعالم الآخر وبخاصة في المشرق باعتبار أن ذلك ضد مصالح الاستراتيجية؟!.

التنازع بين القيم والمصالح , المبادئ والمنافع , الهوية والرأسمالية , بين ما هو أخلاقي وما هو مادي.. انهار سريعاً في المسلك الغربي الذي انحاز للمصالح على حساب المبادئ وقدم المنفعة على القيمة وأهدر كل ماهو أخلاقي استبقاءا لمكتسباته الماديه وبطره الاقتصادي. القصة قديمة ومتجددة فالغرب القديم حينما طُرد وأقُصي واضُطر صاغراً أن يمنح شعوب المشرق استقلالها ترك فيها صنائعة من حكام وحكومات حاربت الحريات وقتلت الديمقراطية وتفننت في اهدار كل ما للانسان من حقوق.

عقود طويلة مضت وجهود بُذلت ودماء سالت وأرواح أزهقت حتى استطاعت أخيراً شعوب من مشرقنا المسكين ان تطرد بقايا هؤلاء الحكام وتقف على عتبة ديمقراطية حقيقية تحلم بها وتطمع في أن تتذوق شيئاً من حقوق الانسان فيما عرف مؤخرا بالربيع العربي . ماذا كان موقف الغرب من إشراق قيمه التي بشر بها وصدع رؤوسنا بدفاعه عنها ودغدغ مشاعرنا بالحفاظ عليها والعمل من أجلها ؟ , كيف استقبل الغرب الربيع العربي وديمقراطيته المنتظرة ؟ هل فرح الغرب بانتشار الديمقراطية العربية كقيمة من قيمة ومنتج من منتجاته ؟ هل احتفى بها ؟ هل دعمها وساندها ؟

أمريكا بلد الحريات وراعية الديمقراطية في العالم رعت ومازالت الراعي الرسمي لمعركة وأد الحرية وذبح الديمقراطية الوليدة في دول الربيع العربي , أوربا الجناح الآخر للغرب لم يخجل ولم يعد لديه من حمرة الخجل قليل ولا كثير وهو يشارك أمريكا في إعادة إنشاء الديكتاتورية في مصر بدعم الانقلاب العسكري على ارادة الشعب و تأييد حكم العسكر وازدراء صندوق الانتخابات وغض الطرف بل ومباركة إهدار كل ما يتمناه الانسان المصري من حقوق.

وجهان متضادان تماما نراهم للغرب بجناحية اليوم ,وجه جميل هناك يدافع به عن الحرية والديمقراطية ويغضب لحقوق الانسان في أوكرانيا, ووجه آخر دميم هنا يستخدم الغرب فيه قواه المختلفة واسلحته الخفية والظاهرة وأتباعه هنا وهناك وأذياله المحليين والإقليميين ليواجه به بكل عنف الربيع العربي ويتآمر عليه ويحارب ديمقراطيته الوليدة . أما عن حقوق الانسان العربي فقد أهدروها ودفنوها بغير غسل ولا تكفين في مقابر الانقلاب ومجازر العسكر أملاً في أن يعيدوا مشرقنا المسكين الى ماضيه التعيس المأفون.

لاغرابة فيما حدث فالسلوك الغربي يتفق تماماً ويتماهى مع مسيرته المادية البحته ومع حضارته التي خلت من أي توجيه قيمي أو بُعد أخلاقي أو تصور عقائدي , والتاريخ الغربي البعيد يؤكد على أن الغرب لم يبن تقدمه يوماً الا على قاعدة التحرر الكامل من كل ما هو ديني أو أخلاقي في كل طريق سواء أكان سياسيا او علميا او اقتصاديا وذلك لأسباب تتعلق بطبيعة الايديولوجية التي حكمتهم آنذاك والتي حاربت مفاهيم العلم وكرست الديكتاتورية.

ثمة نقطة لا غلو فيها ويؤكدها التاريخ البعيد ألا وهي أن الاخلاق والتدين والقيم بضاعة شرقية بحته , وتمثل نقاط القوة في أي فترة علت فيها للشرق حضارة أو بزغت له فيها قوة , كما أنها مرتكزات المشرق العربي للتقدم والانطلاق , وتلك حقيقة يرتبط فيها ارتفاع الشرق وظهوره وتقدمه بمدى تمسكه بعاداته وتقاليده وقيمة ورسالاته.

في هذا الوقت العصيب لمشرقنا المهموم ونحن في تلك اللحظة من ربيعه المحزون .. هل يمكن أن ننتظر عودة لماضينا التليد وتاريخنا المشرف وحضارتنا ذات الوجه المشرق الصبوح ..أم تظل آمالنا بسيطة وسقف أمانينا منخفض ؟

ماذا عن الربيع العربي المتعثر؟ وهل يعاود قطاره ـــ الذي انطلق فجاة ثم ما لبث ان توقف فجأة ـــ الانطلاق فجأة ليواصل المسير ليضم دولاً جديدة الى محطاته السابقة فيطالها التغيير المحمود.

المبشرات كثيرة ووعودة الحضارة الشرقية وشيكة خاصة وأن الحراك الذي يجري في المشرق ليس استرداداً لمنصب أو صراعًا على حكم أو دفعاً عن شخص أو أيا من ذلك . لكنه صراع بين الحق والباطل يؤذن بميلاد حضارة قيم وأخلاق لن تؤثر فقط في معالم الشرق ولكنها ستغير وجه العالم وتعيد رسم خريطته الأخلاقية.

ليست خيالات ولا أحلام لكنها حقائق تبحث عمن يبصرها , ومن يضعف بصره في أن يراها فلينظر في وجوه تلك الكوكبة من المستضعفين من أتباع الشرعية من الشباب والفتيات بل والأطفال الذين يضحون بأرواحهم ويضربون أروع نماذج الثبات ويستحضرون صور إيمان الصحابة وتضحية الأتباع في سبيل القيم والمبادئ والأفكار.

نستمد ثقتنا بعد الله من عزمات هذه الوجوة وننتظر منها أن تعيد للربيع العربي بريقه وتقيم في مشرقنا الجديد مشروعا أخلاقياً وقيماً حضارية تعيد من خلالها صياغة العالم الجديد .. ويسألونك متى هو؟ .. قل عسى أن يكون قريباً! .

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المشرق العربي وصناعة المستقبل

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7