الأحد 3 أغسطس 2014

آراء الصوفية في أركان الإيمان

سعـد بن ناصر الشثـري

ــــــــــــــــــــــ

اعتمدت الصوفية كطائفة في نظر البعض وكفرقة كما يجدر تصنيفها على فكرة الناس عنها أنها قائمة على الزهد والتوكل وأعمال القلوب في ضوء الكتاب والسنة, وهكذا كان شان أوائلهم ممن كانوا على الكتاب والسنة قبل أن ينحرف أواخرهم بانغماسهم في عقائد مخالفة للإسلام وأخذهم عنهم، والمساهمة في تعكير صفو العقيدة الإسلامية بعقائد باطلة تخرج معتقدها عن ملة الإسلام.

ولهذا من الأهمية بمكان أن يدرس الباحثون العقائد الصوفية بتتبع آرائهم وأقوالهم في أركان الإيمان الستة التي لا يفترض أن يختلف عليها أو فيها احد من المسلمين.

واهتم الباحث بتتبع أقوال الصوفية من حيث كتبهم المعتمدة في أركان الإيمان وقسم بحثه إلى أقسام أو مباحث ستة بنفس أركان الإيمان.

وأركان الإيمان السنة في معتقد المسلمين أهل السنة والجماعة موضحة وثابتة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين المسمى بحديث جبريل لما جاء يسأله عن الإيمان، فقال ــ عليه الصلاة والسلام ــ: (أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه).

المبحث الأول: آراء الصوفية وأقوالهم في الركن الأول " الإيمان بالله "

يقسم أهل السنة الإيمان بالله إلى  ثلاثة أقسام:

1- الإيمان بأفعال الله: وهو توحيد الربوبية.

2-  الإيمان بما يجب على العبد من حق الله تعالى من إفراده بالعبادة: وهو توحيد الألوهية.

 3- الإيمان بأسماء الله وصفاته كما يليق بجلاله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل : "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"

غير أن الصوفية خالفوا هذا التوحيد الصحيح وجاءوا بتصورات جديدة من عند أنفسهم للتوحيد؛ ففي الرسالة القشيرية يقول الشبلي وهو المنعوت بتاج الصوفية: (من أجابك عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليك فهو ثنوي، ومن أومأ إليك فهو عابد وثن، ومن نطق به فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن توهم أنه واصل فليس بحاصل)

وينكر شيخ الإسلام على أصحاب هذا القول نكيرا شديدا فيقول: (قول المتصوّفة: أنه لا تصح العبارة عن التوحيد؛ كفر بإجماع المسلمين، فإن الله قد عبّر عن توحيده، ورسوله عبّر عن توحيده، والقرآن مملوء من ذكر التوحيد، بل إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بالتوحيد).

ويعتقد المتصوفة أن لبعض العباد – وهم أولياؤهم - تصرفا في تسيير الكون فيما يختص الله به من الأفعال – حاش لله -، وجعلوا أوليائهم أنداداً لله يساوونه في الخلق والإيجاد والرزق فينفعون ويضرّون وزعموا بأن بأيديهم الأرزاق والأولاد وغير ذلك.

فمن خرافاتهم ما يقوله يوسف النبهاني في كتابه جامع كرامات الأولياء: (ومنهم الشيخ عبد الله أحد أصحاب سيدي عمر النبيتي، كتب لي بأنه رآني بحضرة رسول الله، وهو يقول للإمام علي بن أبي طالب؛ ألبس عبد الوهاب الشعراني طاقيتي هذه وقل له يتصرّف في الكون فما دونه مانع).

ولهذا فالتوحيد الحقيقي الذي يجب أن يصل إليه الصوفي ليس إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له بل يعتبرون هذا التوحيد خاصا بالعوام فقط، أما الخاصة وخاصة الخاصة فتوحيدهم هو القول بوحدة الوجود وهو ليس قمة التوحيد بل قمة الإلحاد.

المبحث الثاني: آراء الصوفية وأقوالهم الركن الثاني "الإيمان بالملائكة "

يعتقد الصوفيون بأن الملائكة صوفية مثلهم وأنهم يتراقصون حول العرش, فيقول الصيادي عن الملائكة: (وهم قيام متواجدون والهون، يتنقلون بين العرش إلى الكرسي، ومن الكرسي إلى العرش، حالهم شبيه بحال السكارى لما بهم من شدة التوله) ويتجرئون على وضع أحاديث تؤيد زعمهم الخبيث الضال فيقولون: "أن آدم بكى لما أهبط إلى الأرض، فأوحى الله إليه: يا آدم مم بكاؤك ومم جزعك؟ قال: يارب لست أبكي شوقاً إلى جنتك ولا خوفاً من نارك، وإنما بكائي شوقاً إلى الملائكة الصوفية المتواجدون حول العرش سبعين ألفاً، جرد مرد، يرقصون ويتواجدون حول العرش", كما يعتقدون أن الملائكة تتنزل عليهم ويعتقدون في أوليائهم أنهم أعلى مقاما عند الله من الملائكة, وأن مهمة الملائكة الأولى هي خدمة الطريقة وخدمة أهل الطريقة.

المبحث الثالث: آراء الصوفية وأقوالهم في الركن الثالث "الإيمان بالكتب"

يعتقد الصوفية في القرآن أن له ظاهرا يسمى علم الشريعة وأن له باطنا يسمى علم الحقيقة وهو العلم الفاضل الذي لا يعلمه إلا خاصة الأولياء فيؤولون القرآن على غير ظاهره، ويفسرونه تفسيرا إشاريا بما يخالف مقتضى دلالته العربية.

ولا يفهمون معاني القرآن من تفسير القرآن بالقرآن ثم تفسيره بالسنة الصحيحة ثم بأقوال الصحابة والتابعين كما يفهمه أهل السنة المسمون عندهم بأهل الظاهر, بل يفسرونه على هواهم بما يسمى بالذوق والكشف.

ويعتقدون في أنفسهم أنهم يكتبون كتبهم بوحي إلهي كما قال ابن عربي عن فتوحاته المكية: (فوالله ما كتبت فيه حرفاً إلا عن إملاء إلهي وإلقاء رباني، أو نفث روحاني في روع كياني)

 المبحث الرابع: آراء الصوفية وأقوالهم في الركن الرابع "الإيمان بالرسل"

فرق أهل السنة بين مصطلحي النبي والرسول بفروقات عدة كان اشهرها وأفضلها ما قاله شيخ الإسلام فقال: (والنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأه الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه؛ فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يُرْسَل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة إلى مخالف؛ فهو نبي، وليس برسول". ونؤمن بأنهم جميعا عليهم الصلاة والسلام بشر خلقوا من آدم ككل البشر لكنهم يوحي إليهم كما وصفهم بهذا ربنا سبحانه .

لكن الصوفية يقولون في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قولا مغاليا بشدة, فسموه بالحقيقة المحمدية وانه خلق من نور وانه اصل هذا العالم وسر وجوده, فيقول عبد العزيز الدباغ: (اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسماوات وأرضين وجنان وحجب وما فوقها وما تحتها إذا جمعت كلها وجدت بعضها من نور محمد، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور عليها لتهافتت وتساقطت).

أما التيجاني فيقول: (لما خلق النور المحمدي جمع في هذا النور المحمدي جميع أرواح الأنبياء والأولياء جمعاً أحدياً قبل التفصيل في الوجود العيني، وذلك في مرتبة العقل الأولي), وبالغوا كثيرا واشتطوا فقالوا كما صور البوصيري في بردته أن علم اللوح المحفوظ وعلم القلم جزء من علم الرسول صلى الله عليه وسلم وأن الدنيا والآخرة من جوده.

المبحث الخامس: آراء الصوفية وأقوالهم في الركن الخامس " الإيمان باليوم الآخر"

يسمى الصوفية تعبدهم لله تعبدا بالحب دون طلب الجنة ولا الخوف من النار ويسمون من يعبد الله راغبا في جنته أو خائفا من ناره بالتاجر أو من يعبده بالعوض, فيرفعون أنفسهم فوق مقام الصحابة والأنبياء والملائكة إذ كان طلب النبي وصحابته أن يرزقهم الله الجنة وان يعيذهم من النار وعلم النبي صحابته ذلك وامرهم بالإكثار من الدعاء لله بذلك, واخبر النبي صحابته أن الملائكة تخشي ان تقذف في النار, فجعل الصوفية أنفسهم فوق كل هذه المنازل.

المبحث السادس: آراء الصوفية وأقوالهم في الركن السادس الإيمان بالقضاء والقدر

وقع المتصوفة في عقيدة القضاء والقدر في انحراف خطير حيث احتج كثير منهم بالقضاء والقدر، فجوزوا فعل كل شيء مقدور عليه وعبادة كل شيء وذلك لاعتقادهم بأن كل شيء،قدره الله وقضاه فقد أحبه، وكل ما يقع في هذا الكون بقضاء الله وقدره،ومادام كذلك فلا يوجد منكر في هذا الكون بل كل شيء يقع في هذا الكون فهو محبوب لله مرضي له.

فاحتج ابن عربي بالقدر في تجويز عبادة العجل بناء على معتقد الصوفية بأن كل ما قضاه الله وقدره فهو يحبه ولذا لا يجوز إنكاره.

وينقل شيخ الإسلام شيئاً من معتقدهم فيقول: (قال شيخ مشهور منهم كان بالشام: لو قتلت سبعين نبياً ما كنت مخطئاً فإنه ليس في مشهودهم لله محبوب مرضي مراد إلا ما يقع، فما وقع فالله يحبه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه، الواقع هو تبع القدر لمشيئة الله وقدرته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهم من غلب كانوا معه، لأن من غلب كان القدر معه)

جزى الله الباحث خير الجزاء على هذا العمل الكريم والذي بذل فيه جهدا في جمع مادته من مصادرهم وكتبهم وهو ما تحتاجه الأمة الإسلامية بشدة لبيان معتقد هؤلاء القوم في يسر وبساطة, وقد أحسن الباحث إذ اختصر هذا البحث جدا فجعله مبسطا قد الإمكان وهذا مما يحسن لدفعه لعوام الصوفية لمطالعته ومقارنته بما في أيديهم, لكن الأمر يحتاج إلى كتابة أوسع لخدمة الباحثين ولايجاد مادة غزيرة تعين كل من ابتلى بمناقشة أو بمناظرة صوفية, فجزاه الله كل خير.

لتحميل هذه الدراسة انقر هنا:   

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 آراء الصوفية في أركان الإيمان

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7