الأحد 3 أغسطس 2014

مصطلح "المساواة" من المصطلحات التي شابها كثير من اللغط، وذهب الناس فيه مذاهب شتى، بحيث تحول– كغيره من المصطلحات التي أصابها التبديل- إلى أداه هدم في ثوابت الأمة ومحكماته.

وخلال هذا التقرير سنعرض بشيء من الإيجاز للمراد بالمساواة، والفرق بينه وبين مصطلح العدل، مع بيان المراد به في الاصطلاح الغربي، وأثر الانجرار وراء الغرب في هذا المصطلح وما شابهه من المصطلحات الغريبة عن الإسلام.

مفهوم المساواة:

يدور معنى المساواة في اللغة على المماثلة والمعادلة، فساواه مساواة؛ ماثله وعادله قدراً أو قيمةً، ومنه قولهم: هذا يساوي درهماً؛ أي تعادل قيمته درهماً... واستوى القوم في المال إذا لم يفضل منهم أحد على غيره، وتساووا فيه، وهم فيه سواء.."(1).

وعليه فمصطلح المساواة على إطلاقه لا يصح اعتباره أو الركون إليه لما يتضمنه من خلط وتسوية بين كل الناس دون اعتبار لأية فوراق خلقية أو دينية، لهذا فالصحيح قولنا أن الإسلام دين (عدل)، لا (مساواة) مطلقة، وإن قلنا مساواة علينا تقييدها وتبيين معناها بما ينضبط مع الشرع الحنيف.

الفرق بين المساواة والعدل:

المساواة تعني رفع أحد الطرفين حتى يساوي الآخر، أما العدل فهو إعطاء كل ذي حق حقه. وهناك من يخلط بين هذين المصطلحين ويظن أن معنى المساواة مرادف لمعنى العدل! وهذا ليس صحيحاً إلا في حالة تماثل المتساويين من كل وجه– وهذا لا يكاد يوجد- أما مع وجود الفروق, سواء كانت هذه الفروق دينية, أو خَلْقية, فإن المساواة بينهما تكون ضرباً من ضروب الظلم، لكنه ألبس شعار العدل والإنصاف(2).

نصوص الكتاب والسنة تدل على العدل لا المساواة المطلقة:

كثرت النصوص من كتاب الله- عز وجل- وسنة- النبي صلى الله علي وسلم- المقررة لمبدأ العدل بين الناس، والتسوية المشروطة المقيدة، ومن هذه النصوص:

- قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[الحجرات:13].

- وقوله صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى)(3).

فيلاحظ من النصين السابقين، أن قوام التفرقة بين الناس، هو التقوى وخشية الله، فيفضل الرجل على الرجل، والمرأة على المرأة بالتقوى، وهو المعنى الذي تغافل عنه بعض من تأثر بمناهج الغرب في التفكير وأطروحاته فيما يخص مبدأ (المساواة).

أصل الخطأ، والرد على المروجين لمصطلح المساواة:

يخطئ بعض الكتّاب والمؤلفين والمتحدثين عندما يصفون الإسلام بأنه (دين المساواة) هكذا بإطلاق، ويعدون هذا الوصف منقبة له إذ ساوى بين الناس جميعًا– كما يزعمون- وتجد هذا كثيرًا عند حديثهم عن موقف الإسلام من غير المسلمين، أو موقفه من حقوق الإنسان، أو موقفه من المرأة.. متوهمين أن "صفة المساواة" صفة مدح في جميع أحوالها، فيلزمهم على هذا أن يساووا بين أحكام المسلم وأحكام الكافر، وبين أحكام الرجل وأحكام المرأة، وهي مما جاءت الشريعة بالتفريق بينها(4).

لهذا يقول الشيخ ابن عثيمين: "أخطأ على الإسلام من قال: إن دين الإسلام دين المساواة! بل دين الإسلام دين العدل، وهو الجمع بين المتساويين، والتفريق بين المفترقين، إلا أن يريد بالمساواة: العدل، فيكون أصاب في المعنى وأخطأ في اللفظ.

ولهذا كان أكثر ما جاء في القرآن نفي المساواة: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر:9]، (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) [الرعد:16]، (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) [الحديد:10]، (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [النساء:95].

ولم يأت حرف واحد في القرآن يأمر بالمساواة أبدًا، إنما يأمر بالعدل(5).

ويقول الشيخ عبد الرحمن البراك في نقده لمصطلح المساواة: "وهاهنا قضيتان تُعنى بهما هيئة الأمم، وتدعو إليهما، وتطالب بتطبيقهما كل دولة هي عضو في هيئة الأمم والمستهدَف فيهما هم المسلمون:

القضية الأولى: المساواة بين المسلم والكافر في الحقوق والمعاملة، ومعلوم أن هذا يناقض ما جاءت به شريعة الإسلام من الفرق بين المسلم والكافر، كما في القصاص والميراث والنكاح والأُخوة والموالاة... وقد أقيمت لدعوة المساواة بين المسلم والكافر مؤتمرات وندوات تحت شعار الإنسانية وما أشبهها، ومن فروع ذلك الدعوة إلى التعايش وحوار الأديان والسلام العالمي، مما يخدعون به المسلمين للتنازل عن شريعة الجهاد في سبيل الله، وعمَّا فرض الله من البراء من الكافرين.

القضية الثانية: الدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة، وقد أصدرت هيئة الأمم في ذلك وثيقة باسم منع التمييز ضد المرأة، وقد تضمنت عشرين بندا، ومجملها الدعوة والمطالبة بالتسوية بين المرأة والرجل في كل الشؤون والمجالات، وعدم تمييز الرجل عليها، ومن آثار ذلك الاختلاط بين الرجال والنساء الأجانب. وقد فرق الله في شريعة الإسلام بين الرجل والمرأة بما تقتضيه فطرتهما وخلقتهما، ومن ذلك الفرق بينهما في الميراث والشهادة والدية وقوامة الرجل على المرأة وحقوق الزوجية واللباس والتصرف في الخروج والسفر والولاية وتحمل المسؤوليات(6).

خلاصة القول حول مصطلحي العدل والمساواة:

نخلص من هذا الطرح إلى أن مصطلح (المساواة) من جنس (الألفاظ المجملة)(7)، لهذا ينظر في القائل به ومراده، فيسأل عن مقصودة من لفظ المساواة، فإن كان مقصودة موافق للطرح الإسلامي في تساوي الناس في الواجبات والحقوق والثواب والعقاب مع اعتبار الفرق بين الجنسين والمسلم والكافر، إلى غير ذلك من الاعتبارات التي نص عليها الشرع؛ سلم من الخطأ، ويقال له: إن الأولى أن تقول أن الإسلام دين عدل، وأما إن كان مراد القائل من لفظ المساواة ما يقصده الغربيون من هذا اللفظ فيرد لفظه ومعناه، ولا يقبل البتة؛ لمخالفته للفهم الإسلامي كما بينا آنفا.

ـــــــــ

الهوامش:

(1) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير- للفيومي- مادة: سوي.

(2) المساواة حقيقة أم ادعاء- موسى بن ذاكر الحربي- ص:6.

(3) أخرجه أحمد في المسند (23536)، وصححه الألباني.

(4) ثقافة التلبيس(7): الإسلام دين العدل لا المساواة- موقع صيد الفوائد.

(5) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين- (8/189).

(6) ما حكم قول بعض الناس: الإسلام دين المساواة؟- موقع الشيخ.

(7) (اللفظ المجمل) يعنون به ذلك اللفظ الذي فيه حق وباطل، وهذا الإجمال يكون سببه تعدد الاستعمال، أي أن هذا اللفظ قد استعمله عدة طوائف وكل طائفة تعتقد فيه معنىً من المعاني فصار عند التعبير به لا يدرى عن المراد به؛ أهو ما تريده هذه الطائفة، أو ما تريده هذه الطائفة فصار متردداً بين عدة معانٍ بسبب تعدد الاستعمال.

فأهل السنة إذا ورد عليهم هذا اللفظ لا يستعجلون في قبوله ولا في رده، بل يتعرفون أولاً على معانيه على حسب استعمال الطوائف له ثم يقولون:- إن أريد باللفظ هذا المعنى فهو حق، وإن أريد به هذا المعنى فهو باطل، وهكذا. [رسالة في شرح قاعدة الألفاظ المجملة عند أهل السنة والجماعة- تأليف: وليد بن راشد بن سعيدان- ص:3].

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 مصطلح المساواة.. نظرة فكرية..

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7