الأحد 10 أغسطس 2014

لم يقع الاختلاف بل والاحتراب والانقسام حول شخصية في التاريخ الإسلامي، كالاختلاف الذي حدث حول شخصية سيدنا علي رضي الله عنه، فهو عند أهل السنة صحابي كريم جليل، كان من طلائع من آمنوا بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتحملوا في سبيل ذلك الأعاجيب، وهو عند الإثنى عشرية أفضل الصحابة ثم إن له من الصفات ما لا يجوز في حق غيره من الصحابة، حتى ذهبت أقوالهم وكتبهم إلى القول بعصمته، بل وعصمة من تلاه من نسله، كما تزعم الإثنا عشرية، بل ذهبت الشيعة الغرابية إلى أبعد من هذا فادعت أن جبريل الأمين أخطأ في الوحي، وبدلا من أن يأتى به إلى علي رضي الله عنه، أخطأ وأتى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الفرق من ذهبت إلى تأليه سيدنا علي مثل السبئية أتباع عبد الله ابن سبأ اليهودي مشعل الفتنة، وذهبت الإباضية إلى أقصى اليسار فادعت أن علي بن أبي طالب إمام مخلوع، خلع نفسه بنفسه يوم التحكيم، فلا يستحق أن يطلق عليه لقب إمام..

وفي هذا التقرير سنُعرج سريعاً على سيرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مع إعطاء صورة عامة عن نظرة أتباع الفرق الإسلامية على اختلاف فرقهم له ولذريته، والموقف الصحيح من كل هذا..

علي بن أبي طالب في عيون أهل السنة:

علي بن أبي طالب، هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنها، ووالد سبطيه الحسن والحسين.

وهو أول من أسلم من الصبيان، كما أن أبا بكر هو أول من أسلم من الرجال، وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن الستة أصحاب الشورى، وقد لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ صغره ومنذ أسلم، وهو رابع الخلفاء الراشدين باتفاق المسلمين من الصحابة والتابعين إلى يوم الدين.

لا يُحبُّه إلاَّ مؤمن، ولا يبغضه إلاَّ منافق؛‏ أخرج الترمذي عن البراء بن عازب رضي الله عنه: أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال لعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: (أنت منِّي وأنا منك)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وعن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: أشهد أنِّي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: (مَن أحبَّ عليًّا، فقد أحبَّني، ومَن أحبني فقد أحبَّ الله، ومَن أبغض عليًّا فقد أبغضني، ومَن أبغضني، فقد أبغض الله عزَّ وجلَّ)، ‏قال علي رضي الله عنه: "واللهِ إنَّه مما ‏عهد ‏إليَّ رسول الله ‏صلَّى الله عليه وسلَّم ‏أنَّه ‏لا يُبغضني إلاَّ منافقٌ، ولا يحبني إلاَّ مؤمن"؛ أخرجه أحمد.

فهذا هو الرأي الصحيح والمعتقد الواجب في سيدنا علي رضي الله عنه، وهو معتقد أهل السنة والجماعة، والواجب على كل مسلم، فهو صحابي جليل له من المكانة ما لبقية الصحابة، وهو في الرتبة والفضل رابع ثلاثة، أولهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عن الجميع.

* معتقد المنحرفين في سيدنا علي رضي الله عنه:

يقابل نظرة أهل السنة والجماعة إلى علي رضي الله عنه، نظرة أخرى بها الكثير من الانحرافات والأباطيل، فأول هذه الانحرافات ظهرت مع ظهور عبد الله بن سبأ اليهودي مُسعر نار الفتنة بين الصحابة، وصاحب أول خروج عقدي صريح عن صحيح الاعتقاد في عصر الإسلام الأول.

- ابن سبأ يؤله سيدنا علي رضي الله عنه:

وهو أمر مشهور وأشهر من تناقله هم الشيعة، فكتبهم تذخر بذكر هذه القصة (قصة دعوة تأليه ابن سبأ لعلي رضي الله عنه)، قال ابن عساكر في تاريخه: روى الصادق –وهو أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ولد سنة 83هـ في المدينة المنورة وتوفي فيها سنة 148هـ - وهو الإمام السادس المعصوم عند الشيعة، روى عن آبائه الطاهرين، عن جابر قال: لما بويع علي رضي الله عنه خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له أنت دابة الأرض، فقال له: اتق الله، فقال له: أنت الملك، فقال: اتق الله، فقال له: أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق، فأمر بقتله فاجتمعت الرافضة فقالت: دعه وانفِه إلى ساباط المدائن فإنك إن قتلته بالمدينة –يعني الكوفة– خرج أصحابه علينا وشيعته، فنفاه إلى ساباط المدائن فثم القرامطة والرافضة، أي كانت بعد ذلك وبجهود ابن سبأ مركزاً يتجمعون فيه، قال: أي جابر– ثم قامت إليه طائفة وهم السبئية وكانوا أحد عشر رجلاً قال: ارجعوا فإني علي بن أبي طالب أبي مشهور وأمي مشهورة، وأنا ابن عم محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا نرجع دع داعيك، فأحرقهم في النار وقبورهم في صحراء أحد عشر مشهورة، فقال: من بقي ممن لم يكشف رأسه منهم علنا أنه إله، واحتجوا بقول ابن عباس: لا يعذب بالنار إلا خالقها.[تاريخ ابن عساكر]

وإضافة إلى مسألة التأليه، ادعى ابن سبا النبوة لعلي رضي الله عنه، وادعى له كذلك العصمة، ومن افتراءاته زعمه أن عليا لم يمت وأنه باق، وأنه يعلم الغيب ويحيي الموتى ويعلم آجال العباد وما يقع منهم إلى غير ذلك من الكفريات.

- النصيرية وحلول الرب في علي رضي الله عنه:

العقيدة الأساسية عند النصيرية تتمثل في تأليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فيزعمون أنه إله أو حلّت فيه الألوهية، فعلي في نظرهم (إله في الباطن)، (إمام في الظاهر)، لم يلد ولم يولد، ولم يمت ولا يأكل ولا يشرب، اتخذ محمداً (ناطقا) لذا فهو متصل به ليلاً منفصل عنه نهاراً.[إسلام بلا مذاهب: مصطفي الشكعة: (ص:335)].

يقول الشهرستاني: "إنما نشأت شبهاتهم في الحلول والتناسخ، من مذاهب اليهود والنصاري، فاليهود شبهوا الخالق بالخلق، والنصارى شبهت الخلق بالخالق، فسرَت هذه الشبهات في أذهان الغلاة، حتى حكمت بأحكام الإلهية في بعض الائمة. [الملل والنحل للشهرستاني على هامش الفصل لابن حزم: (2/10)].

- الغُرابية تثبت النبوة لعلي رضي الله عنه:

تقول فرقة الغرابية وهي إحدى فرق الشيعة بأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان أشبه بعليّ رضي الله عنه من الغراب بالغراب، وأنّ الله بعث جبرئيل بالوحي إلى عليّ رضي الله عنه، فغلط جبرئيل، وأنزل الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، ويلعنون صاحب الريش (جبريل عليه السلام).[نور البراهين أو أنيس الوحيد فى شرح التوحيد: (2/310)] للجزائري].

- موقف غلاة الإباضية من علي والصحابة رضي الله عن الجميع:

يتضح موقف غلاة الإباضية من علي رضي الله عنه والصحابة الكرام من خلال ما جاء في كتاب (كشف الغمة) تحت عنوان فصل من كتاب (الكفاية) قوله: فإن قال ما تقولون في علي بن أبي طالب، قلنا له: إن علياً مع المسلمين في منزلة البراءة، وذكر أسباباً- كلها كذب- توجب البراءة منه في زعم مؤلف هذا الكتاب، منها حربه لأهل النهروان وهو تحامل يشهد بخارجيته المذمومة.

وقد ذكر لوريمر عن موقف المطاوعة –جماعة متشددة في الدين- كما يذكر قوله: ويعتقد المطوعون أن الخليفة علياً لم يكن مسلماً على الإطلاق؛ بل كان كافراً [دليل الخليج- لوريمر- (6/3406)].

فالإباضية يرون خطأ سيدنا علي رضي الله عنه في قبوله للتحكيم، والغلاة منهم يرون أنه رضي حكم البشر وترك حكم الله الذي يدعو إلى قتال الفئة الباغية.

- الإثنا عشرية، جامعة السوءات:

لقد جمعت الإثنا عشرية جل الانحرافات التي قالت بها الفرق الأخرى، في علي رضي الله عنه وفي غيره، يقول الدكتور ناصر القفاري: "من الملاحظ أن طائفة الاثني عشرية قد استوعبت جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى، وأنها كانت بمثابة النهر الذي انسكبت فيها كل الجداول والروافد الشيعية المختلفة"[أصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية د.ناصر القفاري بتصرف يسير]

فقالت- تلميحا لا تصريحا- بألوهيته، بنسبة صفات الرب له، وأنه أفضل من كل الصحابة، بل أفضل من الأنبياء والمرسلين، بل أفضل من نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، وادعت له العصمة، وعلم الغيب، بل وردت عند الاثنى عشرية أحاديث تصرح بأن دخول العباد الجنة والنار مرهون بقرار أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فورد في أكثر من مصدر قول علي رضي الله عنه: (أنا قسيم النّار إذا كان يوم القيامة قلت: هذا لك وهذا لي)[فرائد السمطين: (1/326)]، وهو كذب صريح على علي رضي الله عنه.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 موقف الفرق الإسلامية من علي بن أبي طالب

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7