الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2014
 
الجمعة 5 سبتمبر 2014


هل يُسلِّم الإخوان؟! وماذا لو فعلوا؟!
بقلم: خالد إبراهيم

ارتفعت وكثرت أصوات تراود الإخوان على التفاوض مع العسكر الانقلابيين انطلاقا من التسليم بالأمر الواقع، وبقطع النظر عن مصدر الدعوات والمبادرات أو نوايا مطلقيها، يجب مناقشة القضية.


هل يُسلِّم الإخوان؟!

لا يستطيع أحد أن يلوم الإخوان لو سلَّموا، ليس فقط لأنهم: ذُبِّحوا، وقُتِّلوا، وحُرِّقوا، وقُطُّعوا، وأُصيبوا، واعتقلوا، وعُذِّبوا، وشُرِّدوا، وطُوردوا، وفُصلوا من وظائفهم، وصودرت أموالهم، وانتهكت أعراضهم، وأُوذي أهلوهم، ورُمُوا بكل نقيصة، وإنما أيضًا لأنهم طعنوا في ظهورهم ممن يفترض أن يؤازروهم.


طعنات في ظهر الإخوان
طُعِن الإخوان ومعهم شرفاء مصر من قاضٍ ظنُّوه شريفًا؛ فدافعوا عنه، وسُجنوا ومعهم البطل الشريف محمد مرسي دفاعًا عن القضاء العادل، فإذا بالمجرم يحكم ظلمًا بسجن إحدى الفتيات البريئات 25 عامًا، في حين يُحكم - أحيانا - على بعض القتلة المعترفين بارتكاب الجريمة بـ 7 سنوات، وأمثال ذلك المجرم مئات القضاة المجرمين الذين حكموا بأحكام لا ينطق بها السُكارى، ويقضون بإعدام المئات في جلسة واحدة؛ فصاروا أضحوكة العالم.

طُعِن الإخوان ومعهم شرفاء مصر من ثورجي مزعوم وأمه، طالبا العسكر - في فيديو رآه الجميع – بقتل المعتصمين السلميين، وأمثال هذا المناضل المزعوم آلاف الرعناء الذين حملوا الجلادين على أعناقهم في 30 يونيو، وسلَّموهم الحكم، وتنافسوا على السفر للترويج لانقلابهم، ثم جبنوا عن النزول للشارع بعدما كانوا لا يغادرونه إلا للظهور في الفضائيات، ومن فيهم بقية من رمق صاروا كالعصافير الأليفة تكتفي بنضال التغريدات.

طُعِن الإخوان ومعهم شرفاء مصر من شاعر ظل يُدبِّج القصائد الطوال في ذمّهم، والتحريض عليهم، فلما وقع الانقلاب صار كالحمل الوديع، وشاهدناه حين انطفأ عليه المصباح يلعن البطل مرسي مازحًا، ولا يجرؤ على لعن المجرمين الحقيقيين، ومثل هذا الشاعر عشرات الأدباء والمثقفين المزعومين الذين حاربوا أهل الإصلاح، وكأنهم يقولون: "أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ" (سورة الأعراف:82).

طُعِن الإخوان ومعهم شرفاء مصر من مدعي الليبرالية واليسارية والعروبية و"البتنجانية" الذين لفظهم الشعب، فتحالفوا مع جلاديه لإزاحة من أتت بهم الديمقراطية التي يتشدقون بها، ثم وقفوا يتلون قرار إعلان الإخوان جماعة إرهابية على الرغم من تصريح مرشدها: "سلميتنا أقوى من الرصاص".

طُعِن الإخوان ومعهم شرفاء مصر من أكاديمي "مَصلحجي"، يظل يتشدق بنظرياته وتنظيراته وتُرَّهاته، ويدّعي فشل الإخوان، حتى إذا حدث الانقلاب باع ما جمعه من شهادات وألقاب علمية لمن يدفعون الثمن ومن بيدهم السلطة.

طُعِن الإخوان ومعهم شرفاء مصر من ناشط حقوقي ملأ الدنيا صراخًا وعويلًا على المسحول، وكأن الإخوان أو الرئيس هم من سحلوه – بصرف النظر عن الجهة التي يتبعها النجم الإعلامي المسحول -، وإذا بالناشط ومئات النشطاء يصابون بالعمى والصمم والخرس أمام مذابح يندى لها جبين الإنسانية سُجِّلت بالصوت والصورة، وأدانتها المنظمات المحترمة، ووصل إجرام بعض "النشتاء" لإدانة الضحايا وتبرئة الجلاد من دمهم.

طُعِن الإخوان ومعهم شرفاء مصر من إعلامي مأجور أو جبان، ظل يسلقهم بألسنة حداد، وينعتهم بأحط الأوصاف، ويدّعي البطولة والثورية، فلما لحكم العسكر، إذا به يضع حذاءه في فمه ويصاب بالخرس، وينسحب كسيرًا ذليلًا دون ضجة.

طُعِن الإخوان ومعهم شرفاء مصر من رجال دين منافقين، صرخوا من أجل بضعة ملتحين لم نعد نسمع لهم ركزًا، وافتروا فرية 13 ألف وظيفة وأخونة الدولة، ثم هم زينوا بيان الانقلاب وانتخاباته المزورة بلحاهم المستعارة، ومثل هؤلاء علماء السلطان الذين حرّضوا العسكر على قتل الأبرياء، وتخرّصوا بنزول نبيين جديدين، وحرَّموا الدعاء على الظالمين.

طُعِن الإخوان ومعهم شرفاء مصر من أُنَاس امتدت إليهم أيديهم بالإحسان، وظلوا سنوات طويلة يسعون في قضاء حوائجهم، ويحملون إليهم أنابيب الغاز، ويعطونهم شنط رمضان، والزيت والسكر، وصدقات السر والعلن، فإذا بأيديهم الآثمة تمتد لتضرب من لا يريدون لهم إلا الخير، والشاهد على ذلك فيديو المجرم الذي أثبت تهمة الإخوان على رجل بدليل أنه كان يعطف على أمه، فحرّض عليه البلطجية.

طُعِن الإخوان ومعهم شرفاء مصر من فئة من الشعب رضيت بالذل، واستكانت للطغيان، ورقصت نساؤها أمام لجان الزور، وحملت على رأسها بيادة الطغاة، وخفضت قفاها للضاربين، وداهنت المفسدين، ولم تستجب لدعوات المصلحين، ولم تنتفض مطالبة بحياة كريمة كبقية أحرار العالمين، وصمتت على سُعار الأسعار، ونقص السولار، وانقطاع الغاز والكهرباء، وازدحام المواصلات ...إلخ.


ولكن، ماذا لو سلّم الإخوان؟!
ستنكسر راية مقاومة الظلم التي ما زال يلتف حولها الأحرار، وستنطفأ شمعة الأمل في حياة عزيزة كريمة، ليس في مصر وحدها بل في جميع بلاد الربيع العربي ومَنْ يتطلَّعون إلى شمس الحرية، وسيضيع حقي وحق أولادي في الحلم بمستقبل جميل لبلادي ليس فيه قضاة ظلمة، أو شرطة مجرمة، أو عسكر جهلة، أو محليات وإدارة فسدة، أو ذمم خربة، أو أمراض مستعصية وخبيثة منتشرة ...إلخ.

وسيتعيَّن على المصريين انتظار ولادة جيل جديد لا يرتضي حياة الذل والهوان التي ارتضاها آباؤه وأجداده، وفي الغالب لن يأتي هذا الجيل المنتظر لأنه سيتعرض للإجهاض من المتآمرين.


ماذا سيفعل الإخوان؟!
قراءتي لتاريخهم، ورؤيتي لأفعالهم، تدفعني للظن بأن الإخوان سيستمرون في النضال حتى الانتصار، ليس فقط لأنهم تعلموا من خطئهم عام 1954م، أو لأنهم يعلمون أن العسكر الانقلابيين عملاء كذبة، خونة، لا عهد لهم، إن تمكّنوا تحكّموا وتجبروا، ولكن أيضًا لأن تضحياتهم هذه المرة كانت كبيرة وعظيمة، فلقد سطَّروا – وما زالوا - صفحات مضيئة ليس في تاريخ مصر فحسب بل وفي تاريخ الإنسانية كلها، وسيكون من الصعب عليهم التراجع بعد كل هؤلاء الشهداء وهذه الدماء.

لا أظن أن الإخوان سيخافون أو يضعفون؛ فأسمى أمانيهم أن ينالوا الشهادة في سبيل الله تعالى، وهم يتربون على أنهم ورثة العلم والفهم عن الأنبياء وأنصارهم الذين قال الله تعالى فيهم: " وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (سورة آل عمران:146).

وهم يعتقدون أنهم أحفاد الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض الخضوع للظلمة، وتحمّل السجن والجلد حتى لا يُفتن الناس بكلمة يقولها، وأحفاد الشهيد سيد قطب القائل: "السبابة التي تشهد لله بالوحدانية في الصلاة لا تكتب كلمة تأييد لطاغية".

الإخوان النبلاء ليسوا طلاب مناصب، ولن يؤثروا السلامة كما آثرها غيرهم، وإلا لقبل الرئيس مرسي عرض السفيرة الأمريكية بتعيين البرادعي (...) رئيسا للوزراء، ولقبل الكتاتني الظهور في مشهد بيان الانقلاب، ولقبل باسم عودة وغيره الوزارات التي عرضت عليهم.

الإخوان النبلاء ليسوا طلاب دنيا، وإلا لسارع الشاطر ومالك وغيرهما من مليونيرات الإخوان بطلب الخروج من ظلمات السجون وقسوتها؛ ليتمتعوا بأموالهم الحلال التي سرقها منهم الانقلابيون اللصوص.


وماذا بعد؟!
في ظني أنه مع توالي المبادرات والخذلان قد يصاب بعض الثوار الأحرار بما يمكن أن نطلق عليه كلمة "استيئس"، لانقطاع الأسباب أمامهم بسبب عوامل خارجية كتعرضهم للطعنات من الخلف والأمام، ولكنهم - في داخلهم - لم "ييئسوا" من رَوح الله الذي وعد بنصر عباده المؤمنين، "حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (سورة يوسف:110).

وكذلك فإنه مع توالي الانسحابات من صفوف الثوار الأحرار سيتذكرون تساقط المتخاذلين في قصة طالوت، حيث النصر الحتمي جاء في النهاية للفئة القليلة المؤمنة.

وأظن أنه لن يرهب الإخوان ما يتوعَّدهم به الناس، "وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ" (سورةالأعراف:128)، وأنهم سيقولون كما "قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" (سورة الأعراف:128)، ولن يلتفتوا لمن يقول لهم كما "قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ" (سورة الشعراء:65)، بل سيردِّدون ما قاله الواثق بنصر الله تعالى حين "قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ" (سورة الشعراء:66).


 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  هل يُسلِّم الإخوان؟! وماذا لو فعلوا؟!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7