السبت 13 سبتمبر 2014

مواقف المستشرقين من جمع القرآن الكريم ورسمه وترتيبه عرض ونقد

الدكتور أبو بكر كافي

ــــــــ

القرآن هو وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كتابه الخالد الذي تكفل بحفظه في حروفه وكلماته وتكفل الله بحفظه فقال سبحانه "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" الحجر:9, وأراد المستشرقون التشكيك في مسّلماته وهدم بديهياته متدثرين بالمنهج العلمي الموضوعي وهم بعيدون كل البعد عنه فألقوا شبهاتهم حول جمع القرآن وتدوينه وترتيب سوره وآياته.

فباءت محاولاتهم بالفشل وتساقطت شبهاتهم أمام أسواره المنيعة قال سبحانه "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ" الانبياء:18.

فأراد الباحث في بحثه هذا عرض شبهات المستشرقين حول جمع القران وتدوينه وترتيبه والرد عليها بمنهج علمي موضوعي بعيد عن التهويل والاتهام.

وجعل بحثه بعد تمهيد بسيط في أربعة مطالب.

المطلب الأول: موقف المستشرقين من جمع القرآن وتدوينه، ونقده

يدعي المستشرقون ادعاءات شتى على جمع القران وتدوينه تستعصي على الحصر ومن اشهرها:

ادعاء غموض تاريخ القرآن, رغم أن علماء المسلمين قد بحثوا هذا الموضوع في كتب الحديث وعلوم القرآن والتاريخ بل قد أفرده بعضهم بالتصنيف المستقل.

ادعاء عدم صحة الروايات الواردة في الجمع: كالتشكيك في الصحة التاريخية للروايات والتشكيك في صحة واقعة اليمامة التي كانت سبباً في جمع القرآن قائلين بأن عدد الذين استشهدوا في هذه الموقعة من الحفاظ قليلون فيقول اسكواللي أنهم اثنان من القراء فقط في حين أن المصادر التاريخية الثابتة تقول بان عدد القراء الذين قتلوا في هذه الموقعة حوالي أربعمائة وخمسون من نحو ألف قارئ.

ادعاء تأخر تدوين القرآن الكريم: فيقول غوستاف لوبون: "لم يجمع القران نهائيا إلا بعد وفاة محمد –صلى الله عليه وسلم- وبيان الأمر أن محمداً كان يتلقى في حياته عدة نصوص عن الأمر الواحد، فلما انقضت عدة سنين على وفاته حمل خليفته الثالث على قبول نص نهائي مقابل بين ما جمعه أصحاب الرسول", وهذا ادعاء لا يتفق مع أي معيار علمي ثابت إذ ان الروايات الصحيحة الثابتة دلت على ان القران تم تدوينه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق "كتاب الوحي" ومنه قول زيد بن ثاب رضي الله عنه "كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نؤلِّف القرآن من الرِّقاع" أي: نجمعه لترتيب آياته من الرقاع.

ادعاء ضياع فقرات من القرآن: وهذا ما قاله غير واحد من المستشرقين منهم نولدكه الذي قال بأن أجزاء من القرآن قد ضاعت, فذكر في كتابه "تاريخ القرآن" هذا العنوان الواضح: "الوحي الذي نزل على محمد ولم يحفظ في القران" ومنشأ هذا الادعاء الباطل من الشيعة الذين زعموا تحريق القران ونقصه في آيات كثيرة تدل على ولاية علي وأحقِّيته بالخلافة ووضعوا من الأحاديث الباطلة ما يؤيد ذلك فتلقفها المستشرقون.

ادعاء وجود أشياء في القرآن ليست منه: وخاصة ما قاله نولدكه الذي ادعى أن فواتح السور ليست من القران تركت في مواضعها سهوا ثم ألحقت بطول الزمان إلى القران!!! وهذا لا يستند مهم على أي دليل علمي أو تاريخي ولا توجد به رواية واحدة صحيحة إذ اولع المسترقون بالروايات الضعيفة والموضوعة فقط, ورغم كل ادعاءاتهم هذه لم يقدم احدهم تفسيرا لوجودها في القران في بعض السور دون الأخرى.

المطلب الثاني: موقف المستشرقين من المصحف العثماني ونقده

يرى المستشرق ماسي أن المصحف العثماني قد تعرض للتحوير لأسباب ثلاثة: يُرجعها إلى أخطاء الناسخين، واحتفاظ القراء بالدروس القديمة للنص في ذاﻛﺮتهم، وضعف الخط العربي وانعدام الدقة فيه، واشتباه كثير من الحروف قبل الإعجام, وقد رد العلماء على كثير من هذه القضايا واكتفى الباحث بالرد على قضية اختلاف مرسوم الحروف في مصحف عثمان رضي الله عنه فنقل قول الإمام أبي عمرو الداني "فإن سأل سائل عن السبب الموجب لاختلاف مرسوم هذه الحروف الزوائد في المصاحف؟ قل: السبب في ذلك عندنا أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان-رضي الله عنه- جمع القرآن في المصاحف ونسخها على صورة واحدة، وآثر في رسمها لغة قريش دون غيرها مما لا يصح ولا يثب، نظرا للأمة واحتياطا على أهل الملة كي تحفظها الأمة كما نزل من عند الله عزَّ وجل وكما سمع من رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فهذا سبب اختلاف مرسومها في مصاحف أهل الأمصار".

المطلب الثالث: موقف المستشرقين من ترتيب القرآن ونقده

يزعم المستشرقون أن ترتيب القرآن كان باجتهاد النبي أو الصحابة، ولا يرجع إلى تعيين النبي -صلى الله عليه وسلم– وتوقيفه المتلقّى عن الوحي أساساً, وغرضهم من هذا إثبات البشرية في القران الكريم في أي مرحلة من مراحله لتكون مدخلا للتشكيك في بقية مراحله, وهذا قول هنري ماسي وبروكلمان وجاك بيرك, وحاول نولدكه ترتيب القرآن وفق ترتيب النزول معتمدا في ذلك ع لى كتاب أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي من رجال القرن الخامس, بينما أراد المستشرق الفرنسي بلاشير ترتيب القرآن حسب المراحل والموضوعات.

المطلب الرابع: نقد موقف المستشرقين من ترتيب القران

انطلق الباحث في مطلبه هذا من إجماع الأمة على توقيف الترتيب لا على بشريته قال السيوطي: "الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في "البرهان" وأبو جعفر بن الزبير في "مناسباته"، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين".

ثم ساق الباحث الأدلة الصحيحة على ذلك من السنة الشريفة ومن أقوال العلماء.

فهذا ما يقوله علماء المسلمين، وهذه أدلتهم من الصحة والوضوح بما لا يرتاب معه مرتاب، إلا مَنْ طمس الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة, وأما ما يقوله هؤلاء المستشرقون فلا يستند إلى أي دليل علمي يمكن مناقشتهم وبحثه فليس عندهم إلا التشكيك الهدمي لا الشك العلمي القائم على القرائن والملابسات المقبولة والموضوعية.

جزى الله الباحث الكريم خير الجزاء وجعل هذا البحث في صالح موازينه وأعماله

لتحميل الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
 مواقف المستشرقين من جمع القرآن الكريم ورسمه وترتيبه عرض ونقد

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7