السبت 13 سبتمبر 2014

إذا كان إعلان العداء للإسلام فكرا وعقيدة, وممارسة الاضطهاد والتنكيل بحق أتباعه وأهله شعار المرحلة الحالية, نظرا لضعف المسلمين في مقابل قوة عدوهم, فإن الإسلام لم يسلم من كيد وخبث هؤلاء الأعداء حتى في مرحلة قوة المسلمين وبأسهم, من خلال بث التفرقة والعصبية في صفوفهم, وادعاء اعتناق الإسلام لبث الأفكار الضالة والعقائد الفاسدة بينهم, والتي تجد قبولا لدى بعض الجهال وأصحاب المطامع والأهواء.

ولعل من أخطر الأفكار الضالة التي تسللت إلى العقيدة الإسلامية هي الصوفية, التي استقت نظرياتها وتعاليمها وطقوسها من بعض الأديان القديمة كاليهودية والنصرانية والديانات الهندية, ومن بعض الفلسفات الأجنبية كالفلسفة اليونانية, ناهيك عن تأثرها بالمجوسية والفارسية.

و رغم الجدل القائم بين الباحثين حول أسس ومؤثرات نشأة التصوف الإسلامي, بين من يذهب إلى كونه مؤسس في الأصل على نصوص الوحي منذ نشأته , إلى أن شابته الشوائب التي حرفت عن مساره الصحيح, ومن قائل بأنه اسم للزهد المتطور الذي خالطته الثقافات الخارجية فولدت نوعا جديدا من التصوف, إلى ثالث يقول بأنه لا ارتباط للتصوف بتعاليم الإسلام أصلا, بل هو فكر يستمد أصوله من غير الإسلام أساسا, إلا أنه يكاد يجمع الباحثين على تأثر التصوف بالديانات القديمة والفلسفات الأجنبية.

وفي هذا التقرير سنحاول التركيز على النصرانية والديانات الهندية والفلسفة اليونانية كأهم وأبرز المصادر التي أثرت في وجود نظريات وتعاليم وطقوس الصوفية.

1- النصرانية: يظهر تأثر الصوفية ببعض عقائد وأفكار النصرانية من خلال:

· ألفاظ نصرانية استخدمها بعض قدامى رموز الصوفية كلفظي "الناسوت" و"اللاهوت" المأثور استعمالهما عن الحلاج, ومن المعلوم أن القول بحلول اللاهوت – الخصائص الإلهية - في الناسوت – الطبيعة البشرية – ادعته النصارى في عيسى بن مريم عليه السلام. (1)   

· ما يوجد في مراجع التصوف الأصلية من  قصص لبعض الصوفية من قصدهم الرهبان والاختلاف إليهم لتلقي المعرفة, إضافة لتعظيم رهبانية النصارى من خلال الاعتزال بالصوامع وقمم الجبال مما استقته الصوفية منهم. (2)

· مظاهر الشبه القوية بين حياة الزهد الصوفية وتعاليمهم ومجاهاتهم فيها, وما يقابله من الأحوال والأقوال المنسوبة للمسيح عليه السلام وأحوال الرهبان والقسيسين عند النصارى.

 ومن أمثلة ذلك ما جاء في العهد الجديد: (فحسن للرجل أن لا يمس امرأة), وجاء ما  يشابهه في قول أبي لسيمان الداراني: ( ثلاثة من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا : من طلب معاشا أو تزوج امرأة أو كتب الحديث) (3).

2- الديانات الهندية: لعل من أوائل من كشف الصلة بين التصوف والديانات الهندية أبو الريحان البيروني, كما برهن على استمداد التصوف أصوله الفكرية من الديانات الهندية كبار المستشرقين المعنيين بالتصوف كما نقله أبو العلا عفيفي في مقدمته لكتاب "نيكولسون".

ويدلل الدكتور علي زيعور على بعض نقاط الالتقاء والشبه بين الأفكار الهندية والتصوف الإسلامي في كتابه "الفلسفات الهندية" ومن أبرزها:

· المريد الصوفي شديد الشبه بما يسميه الهنود مرحلة التلميذ ثم البادئ المتميز "انتيفاشين" ثم "ادهيكارين" .

· الصوفي الفاني عن ذاته هو نفسه "غورو" الذي فقد الشعور بالدنيا والحس و"البهكشوا" تعبيرا عن حالة الوجد  عند الصوفية.

· المسشبحة مأخوذة من الهند, وكذلك الخرقة والركوة والعصا أدوات لها نفس الدلالة عند الجانبين.

· "النرفانا" والفناء في الله مفهومان يتحققان بنفس الطرائق ولهما نفس الغاية مع بعض الفروقات, كما أن المراقبة والتأمل وضرب الإنسان نفسه "تاباس" هي طرائق ومكابدات  متماثلة.

· مبدأ "أهمسا" الهندي – اللاعنف – انتقل إلى التصوف فوجدنا البسطامي يعود مسافات طويلة ليرجع نملة - دخلت زاده تحت شجرة – إلى مكانها الأصلي.

· التناسخ والحلول ووحدة الوجود تشبه ألوانا هندية, وكذلك الأساطير عن قوة الصوفي الخارقة نجد لها جذور هندية.

· الأقوال المكثفة وأساليب التعبير الصوفية بجمل قصيرة ومثقلة تجد في الهند نظيرها.

· بعض أشكال السحر والشعوذة وما يسى بالطب الروحاني, وكتابة التعاويذ وما إلى ذلك من الطقوس الهندية تأصلت في الذات العربية عن طريق بعض المتصوفينب شكل خاص. (4)

3- الفكر اليوناني: اعتبر كثير من الباحثين أن الكلام في الإلهيات الذي نشأ في التصوف مأخوذ من الغنوصية والأفلاطونية المحدثة.

أما التأثر بالغنوصية (5) فقد دخلت فكرة الثنائية الغنوصية بين الله والمادة في عقائد الصوفية كما يؤكد الدكتور علي سامي النشار في كتابه "نشأة الفكر الفلسلفي في الإسلام", فأصبح محمد صلى الله عليه وسلم هو أول الصادرات عن الله تعالى, ومنه صدرت المخلوقات , وهذه العقيدة تعرف عند الصوفية بالإنسان الكامل أو الحقيقة المحمدية, كما ذكر الدكتور النشار بعض الشخصيات الغنوصية الصوفية: كالحلاج والسهروردي وابن عربي. (6)

وأما عن تأثر الصوفية بالأفلاطونية المحدثة (7) فيقول الدكتور قاسم غني: إن طريق الحصول على التمتع الأبدي عند الأفلاطونية المحدثة هو بتطهير النفس السفلية, عن طريق التجرد من الشهوات الجسمانية والميول الحسية وممارسة الفضائل الأربعة: العفة والعدل والشجاعة والحكمة, والتي يسميها المتصوفة بعد إجراء بعض الحذف والإضافة عليها "حكمة الإشراق".

ويمثل الدكتور قاسم على هذا التشابه أن الصوفي الزاهد الذي يغض الطرف عن الدنيا وما فيها بحكم أنها فانية, ويتعلق خاطره بما هو خالد, يشعر بلذة الرضا في فلسفة أفلوطين, كما أن فكرة وحدة الوجود في الفلسفة الأفلوطونية جذب أنظار الصوفية الذين يرون أن على السالك أن يطير بجناح العشق إلى الله, وأن يحرر نفسه من قيد وجوده الذي ليس إلا مظهرا فحسب, وأن ينمحي ويفنى في ذات الله أي في الموجود الحقيقي.

كما أن تأثر الصوفية بكتاب "اتولوجيا أرسطو طاليس" بدأ منذ القرن الخامس الهجري كما يرى عبد الرحمن بدوي , وبالأخص بنظرية الفيض كما نجده عند السهروردي وابن عربي. (8)

وإذا كانت مصادر الصوفية تعتمد على كل هذه الديانات المحرفة أو المخترعة, وعلى فلسفات بعيدة كل البعد عن نظرة الإسلام للكون والإنسان والحياة, فإنها بلا شك غير صالحة لأن تنسب إلى الدين الإسلامي من قريب أو من بعيد, بل الأقرب أن تنسب إلى تلك الديانات والفلسفات والأفكار الباطلة.

ــــــــــ

الفهارس

(1) مدخل للتصوف الإسلامي أبو الوفا الغنيمي 34

(2) إحياء علوم الدين للغزالي 1/226

(3) غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية 1/208

(4) الفلسفات الهندية 90 – 91  وكذلك : التصوف المنشأ والمصدر/ إحسان ظهير

(5) الغنوصية : كلمة يونانية تعني المعرفة بالحدس التجريبي الحاصل باتحاد العارف بالمعروف .

(6) نشأة الفكر الفلسلفي في الإسلام 1/186

(7) الأفلاطونية المحدثة : مذهب قام على أصول أفلاطونية تمثل عناصر من جميع المذاهب فلسفية ودينية , يونانية وشرقية .

(8) تاريخ التصوف في الإسلام / قاسم غني 142 .

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  أثر الأديان والفلسفات على التصوف

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7