الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2014
 
الثلاثاء 30 سبتمبر 2014
 المصريون والانتحار صمتاً

بقلم: هبة زكريا

"فرج" مات.. لأ انتحر.. لأ قُتل.. فمن القاتل إذاً؟!..

جدد انتحار المواطن المصري "فرج رزق فرج" عن طريق شنق نفسه بلوحة إعلانات على أحد الطرق الرئيسية، عقب مروره بأزمة مالية خانقة، سؤالاً لطالما راودني قبيل ثورة 25 يناير 2011.. لماذا ينتحر المصريون المقهورون تحت ضغط الظروف ولا يثورون ضد من وضعهم في هذه الظروف؟!!!

فظاهرة الانتحار بسبب الفقر كانت قد بلغت أقصى معدلاتها في الخمس السنوات الأخيرة قبل ثورة يناير.. وهي بالنسبة إليّ ظاهرة محيرة جداً.. أن يقتل شخصاَ نفسه وأسرته ضيقا بظروف الحياة الصعبة.. إذاً هذا شخص لا يخاف الموت.. ولكن في نفس الوقت هذا الشخص ذاته إذا دعوته للمشاركة في تظاهرة ضد من يسرقون قوته وقوت أولاده يأبى..؟!

ذاك الذي رحل في صمت. بلا ضجيج.. بلا حق الدفاع عن نفسه أمام من يرمونه بـ"الكفر" برحمة الله.. رحل دون أن يشير بأصابع الاتهام لظالميه من الطغاة والفسدة الذين يحكمونه.. دون أن يحملهم وزر قتله.. دون أن يواجههم بجرائمهم ويبصق في وجوههم كل الألم والمرارة.. لماذا لم يثر؟!

ماذا كان يمكن أن يخسره فرج أو غيره ممن سلكوا نفس الطريق إذا تظاهروا أمام القصر الرئاسي أو في الميادين العامة معلنين عن احتاجاهم وسخطهم على من يسرقون منهم الحياة؟! أكانوا سيقتلونه..؟!.. إذا لمات شهيدا لكلمة حق عند سلطان جائر..

هذه الحيرة التي راودتني قبل ثورة يناير وعادت لتراودني اليوم، تجلت بوضوح في حوار مع أحد أقاربي البسطاء الذين انتخبوا الرئيس محمد مرسي وفي نفس الوقت استدرج لتفويض قائد انقلاب 3 يوليو..

سألته وقد علمت بارتفاع الفواتير عليه وأسعار المحاصيل الزراعية والبنزين وغيرها: ما رأيك الآن بعد عام من حكم الانقلاب.. هل كان عام مرسي أفضل أم عام الانقلاب؟!

هو: أنا كنت مرتاح أيام مبارك..

أنا: مبارك قد رحل وأيدتم رحيله فقد ظل أعواما يسرقنا ويقهرنا.. فلتجيبني على ما نحن فيه الآن.. إذا كان عامي مرسي والانقلاب سيئين فأيهما أسوأ؟!

هو في عناد ومكابرة: أنا في عهد مرسي كنت هارتكب جناية وأدخل السجن.. مش لاقي البنزين.. واتخانقت وكنت هولع في البنزينة..

أنا: كانوا يسرقونه ويعملون ضده ليصلوا بك إلى هذه الحالة.. وعلى كل حال ما رأيك في أسعار البنزين اليوم؟!..

هو: الحمد لله البنزين والجاز موجود.. صحيح الصفيحة بالشيء الفلاني.. لكن ياللا بقى الواحد يتعب شوية والأرزاق بالله..

بهذه المنهجية التي يفكر بها قريبي.. فإنه ثار ضد مواطنين أمثاله بسبب أزمة خلقها اذناب الدولة العميقة.. دون أن يبحث عن اسبابها ويواجه فاعلها أو يقاومه، أو يساعد من يقاوم هذا الفساد.. حتى عندما تجلى الفساد أمامه ظاهرا في شخص الانقلاب الذي يبتذ جنيهاته المعدودة برفع الأسعار.. ثار ضد نفسه وحملها عبء العمل الإضافي لتواجه ارتفاع الأسعار.. ولم يثر أيضاً ضد من رفع الأسعار.. وإذا وصل إلى درجة عدم التحمل.. فإنه غالبا سيظل خارج إطار الثورة على السلطة ويبحث عن طرف آخر يثور ضده.. وغالبا ستكون نفسه كذلك.. فينتهي به الحال كما انتهى بـ"فرج"...

إذاً يا سادة هذه هي المعادلة.. هؤلاء الفقراء المقهورون يثورون ضد كل شيء حتى أنفسهم.. إلا أنهم لا يثورون ضد السلطة؟!

قد يطرح أحدكم سؤالاً.. فلماذا إذاً نزل قريبك للتفويض ضد مرسي.. ونزل غيره في 30 يونيو من الفقراء والبسطاء وعامة الشعب؟!..

وأجيب.. أنهم شاركوا مع السلطة آنذاك ضد شخص منهم.. ولم يكونوا يثوروا ضد السلطة...

ابحثوا في من حولكم من معارفكم البسطاء، وانظروا هل تجدون بينهم ممن شارك في 30 يونيو، قد شارك في 25 يناير؟!.. أكاد أقسم أن كل من شارك في 30 يونيو هم ممن كانوا يتصلون بنا في ميدان التحرير ويترجوننا أن نرجع حتى "لا تخرب البلد"..

30 يونيو كانت تظاهرات مع السلطة الحقيقية المتمثلة في الدولة العميقة التي تحكم مصر منذ انتهاء الاحتلال البريطاني، متجلية في العسكر وأذنابهم وتوابعهم ومفاصل الجهاز الإداري وشبكة الجهاز القضائي "العائلية" المتوارثة.. الخ.. ولذا كان يحمل المشاركون فيها على أكتافهم، رجال الشرطة، الذين خرجت ضدهم بالأساس ثورة 25 يناير.. فالمشهد يعكس بوضوح اتجاه كلا الحدثين.. ثورة يناير لخلع سلطة تتحكم في الرقاب والأرزاق.. و30 يونيو تعود بهذه السلطة محمولة على الأكتاف..

والبسطاء على طول الخط يثورون على بعضهم البعض أو على أنفسهم فينتحرون صمتاً.. دون أن يحملوا ظالميهم عبء الرصاصة.. فهل يمكن أن نصحح بوصلة الثورة لدى البسطاء؟!..

 __________________

صحفية وباحثة إعلامية مصرية

 
 
   Bookmark and Share      
  
  المصريون والانتحار صمتاً

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7