الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2014
 
الثلاثاء 7 أكتوبر 2014

الإخوة المسيحيون: سعيدة!
سليم عزوز
قديماً كانت التحية المعتمدة مساء في الريف المصري عند النساء وبعض الرجال: "سعيدة"، ثم توقف استعمال "سعيدة"، عندما أشاع البعض أنها تحية خاصة بالإخوة المسيحيين. والبعض عمل على طريقته على إنهاء هذه التحية، كأن يقول ساخراً لمن يلقي عليه "سعيدة"، أن "سعيدة تزوجت"!.. بالتعامل مع التحية على أنها اسم فتاة.

وقد نسيت "سعيدة"، ولم أسأل لاقف على أنها تحية القوم أم أنها كانت تحية جامعة للناس في الريف، مسلمين ومسيحيين، قبل المد الوهابي الذي لم يعد أحد في مصر الآن يذكره، كما لم يعد أحد يتحدث عن العداء بين جمال عبد الناصر والرجعية العربية.. فعبد الناصر الجديد، الذي هو عبد الفتاح السيسي الذي وجدوه في "علبة البخت" في حلف استراتيجي مع أعداء عبد الناصر، والناصريون يشيدون قبل الأكل وبعده، في تحالفهم معه بمن أطلق عليهم ناصر الرجعية العربية!

لقد قفزت "سعيدة"على سطح الذاكرة، بعد أن قرأت على موقع "الأقباط اليوم"، تقريراً يفيد غضب حركات قبطية، وناشطين أقباط، من قيام اثنين من المذيعين بنقل احتفالات الجيش بانتصارات أكتوبر عبر التلفزيون المصري الرسمي، ويرى الأقباط أنهما أعداء لهم، وهما أحمد موسي ورشا مجدي. لأنهما مارسا الطائفية والعداء ضد المسيحيين في يوم مذبحة ماسبيرو.

الأقباط الغاضبون قالوا إن السماح لموسي وصاحبته في قناة "صدى البلد" بنقل وقائع انتصارات نصر أكتوبر المجيدة، عمل ضد أهداف "ثورة 30 يونيه". وانتظرت أن يتم اطلاعي في التقرير على أهداف "الثورة المجيدة"، فلم أجد على النار هدى.. سأكون ممتناً حتماً لو ذكر لي القوم أهداف هذه "الثورة العطرة".

لمن لا يعلم فإن رشا مجدي، هي مذيعة التلفزيون المصري، التي نادت المسلمين عبر شاشة التلفزيون للتحرك إلى "ماسبيرو" حيث مبني التلفزيون للتصدي لاعتداء المسيحيين علي الجيش المصري هناك، وقد تحولت إلى "كبش فداء"، إذ تم وقفها عن العمل، لتظهر بعد 30 يوينه، التي وحدت أطراف "موقعة ماسبيرو"، في قناة خاصة، مملوكة لواحد من رجال الأعمال التابعين لدولة مبارك، وهي فضائية "صدى البلد"، التي حصلت ولأول مرة في تاريخ القضاء المصري، على حق النقل الحصري لجلسات محكمة، حيث تنقل محاكمة مبارك وزبانيته، وتقدم رشا مجدي المحاكمة، بالتمهيد لجلساتها وبلقاء رجال القانون لمناقشة القضية، وهو الأمر المؤثم قانوناً، لأنه يمثل تأثيراً على المحكمة "منهي عنه". ودورها هو الانتصار لمبارك وعهده ونظامه والذين معه!

ولا تجد السلطة الجديدة، المغتصبة للحكم، في الإشادة بعهد مبارك أزمة لأن السيسي هو الامتداد الطبيعي لمبارك، والمخلوع وان كان قد فشل في توريث الحكم لابنه من صلبه، فقد ورثه لابنه بالتبني!
لا أعرف الدور السلبي لأحمد موسى في أحداث ماسبيرو، لكن ما أعرفه أن التلفزيون المصري، يرفض تماماً أن ينقل عبر شاشاته، لاحتفالية بحجم انتصارات أكتوبر أحداً من خارجه، لكن من الواضح أن الموافقة هنا مردها إلى أن جهات سيادية هي التي اختارته وصنعته على عينها، ليتأكد صحة ما توقعناه مبكراً. فالسيسي وإن التف حوله من لهم سوابق في العمل السياسي، ومن لهم مواقف سياسية راديكالية، فإن نخبته المختارة ستكون من غير هؤلاء، وممن ليست لهم أي خلفية سياسية، وهو الذي يعترف بأنه ليس سياسياً رغم أنه يتولى المنصب السياسي الأعلى في البلاد.

وإذا كان هناك ممن شاركوا في ثورة يناير وقد انحازوا للثورة المضادة في 3 يوليو، فإن احتياج السيسي لهم كما قلت مبكراً هو، "لمسافة السكة"، لتقفون بذلك على أنني أول من استخدام هذا الاصطلاح السائد شعبياً: "مسافة السكة" وليس عبد الفتاح السيسي وهو يتحدث عن دور الجيش المصري في الانحياز للأشقاء العرب.. فسقطت اليمن، ولم يف عبد الفتاح السيسي بما وعد.

اختيار رشا مجدي لنقل احتفال الجيش بانتصارات أكتوبر يؤكد أن ما قامت به يوم أحداث ماسبيرو، يوم التقى الجمعان، لم يكن اجتهاداً منها، فقد كانت "عبد المأمور"، وتنفذ أمراً صدر لها. وإذا كان الأقباط قد غضبوا على أسلوبها التحريضي وتقدم نفر منهم ضدها ببلاغ للنائب العام، لا نعرف مصيره الآن، فقد تم استغلال 30 يونيو في إعادتها للعمل عبر فضائية "صدي البلد"، التي تمثل واحدة من فضائيات الثورة المضادة، تمهيداً لإعادتها لمبني ماسبيرو، بعد أن جمع الانقلاب على السلطة المنتخبة، كل الفرقاء السابقين.

أحداث ماسبيرو، كانت بعد مظاهرات حاشدة للأقباط، وعنيفة كما قالت رواية السلطة الحاكمة حينئذ، ممثلة في المجلس العسكري، وقد خرجت من أكثر من منطقة، لتستقر أمام مبني التلفزيون المصري، قبل أن تحملهم قوات الجيش على مغادرة المكان، وقد أقاموا هم الدنيا وأقعدوها، نظراً لأن الجيش قام بمذبحة ضدهم بحسب كلامهم!

لم تكن الكنيسة الأرثوذكسية جزءاً من حسابات ثورة يناير، والبابا شنودة قال منذ اليوم الأول لها: "نحن مع مبارك"، وأمر أتباعه بعدم المشاركة في الخروج ضده، ذلك بأن نظام مبارك انتقل بالكنيسة لأن تكون دولة داخل الدولة، وبعد نجاح الثورة في الإطاحة بمبارك، شهد مبنى ماسبيرو مظاهرات مسيحية لا تكاد تتوقف، كانت قطعاً تنتمي لصنف المظاهرات الفئوية، التي قيل وقتها أن جهات تنتمي للنظام القديم تقف خلفها من اجل إشاعة الفوضى. وفي تقديري أن المتظاهرين المسيحيين كانوا يستهدفون الطرق على الحديد وهو ساخن، للحصول في وقت ضعف الدولة على مكتسبات، لن يحصلوا عليها إذا استردت عافيتها.. كان كلاماً كثيراً قد تردد عن قيام بعض الأديرة بتوسعات والاستيلاء على عشرات الأفدنة من أراضي الدولة، وقد واجهت قوات الجيش هذه التوسعات بحسم.

ومنذ وقوع أحداث ماسبيرو فقد اتسعت دائرة الرفض لحكم المجلس العسكري في محيط الأقباط. في حين أن الجيش كانت روايته تدور حول أنه المعتدي عليه، وأن الضحايا الذين لقوا حتفهم تحت المدرعات، كان المسؤول عنهم هم الذين استولوا على الدبابات ومركبات الجيش من المتظاهرين وقادوها برعونة لافتقادهم الخبرة في قيادتها.

وعبر الشباب القبطي عن حالة العداء بمظاهرات، هتفت ضد الحضور العسكري في الكاتدرائية بالعباسية، برئاسة رئيس الأركان سامي عنان، في إحدى المناسبات المسيحية. إلى أن فاز الرئيس محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية، فنسي القوم ماسبيرو، والضحايا، وعندما وجدوا الفرصة سانحة جهروا بالعداء غير المبرر.

مرسي، تعامل مع الملف المسيحي، بنفس القواعد التي أرساها مبارك، وكان المخلوع قد حافظ بمعاملته على وجود الكنيسة كدولة صديقة، وأن البابا هو الزعيم السياسي للأقباط، وكان يستفيد من ذلك، لأنه في تعامله مع شخص واحد، هو البابا ضمن له ولحزبه أصوات المسيحيين في كل انتخابات، حتى وان كان المرشح المنافس لمرشح الحزب الوطني، مسيحياً. واشتكي من هذه المعاملة، مرشح حزب التجمع (المسيحي) في المنيا في انتخابات سنة 2005، كما اشتكى من نفس المعاملة وفي نفس الانتخابات مرشح حزب الوفد طلعت جاد الله، المسيحي أيضاً في دائرة مصر الجديدة والمرج. لأن المسيحيين لم ينتخبوهما وانتخبوا مرشح الحزب الوطني امتثالاً لتعليمات البابا!

ولا مانع بعد هذا الوقوف المقدر من مبارك، أن يقيم المسيحيون حائط مبكى في الغرب، لأنهم لم ينجح لهم في الانتخابات سوى أعداد قليلة من المرشحين، وهذا دليل على اضطهاد المسيحيين في مصر.
مبارك كان يعين الأقباط في مواقع معينة، بترشيح من الكنيسة، وقد فعل مرسي ذلك أيضاً، دون استفادة من هذا الامتياز!

وقد حملت على الرئيس المختطف كثيرا في فترة حكمه، لأنه اختار واحدة من الفلول عضواً في مجلس الشورى ضمن المعينين بقرار رئاسي هي مني مكرم عبيد، التي كانت على رأس من تأمروا على حكمه بعد ذلك!

كانت منى مكرم عبيد عضواً في حزب الوفد، وعندما لوح لها نظام مبارك بالتعيين في مجلس الشورى هرولت إليه، وتركت الوفد. وبعد انتهاء الدورة انضمت لحزب الغد، لكن السلطة سجنت مؤسسه الدكتور أيمن نور، فترشحت على قوائم الحزب الوطني الحاكم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة له، ولا يليق أن يجمع على تعيينها مبارك، ومرسي بعد الثورة!

لم يرد أحد علي، وظللت أهاجم حكم الرئيس محمد مرسي على سماحه بدخول الفلول البرلمان، وبعد أن انتهى الأمر قيل لي أن منى مكرم عبيد هي ترشيح الكنيسة، شأنها شأن غيرها في مواقع آخري، مثل المجلس الأعلى للصحافة وما إلى ذلك، وكان الاختيار الكنسي لزميلين مسيحيين من النكرات.

ولم يدر الملف القبطي من قبل الرئيس مرسي بحصافة، إذ كان عليه في مواجهة حالة العداء المكتوم في البداية، أن يصنع النخبة القبطية التي تؤيده، وقد اثبت الانقلاب أن هناك من المسيحيين من يرفضون النظرة الطائفية الضيقة في تحديد وجهتهم السياسية.

لقد تم الجهر بالعداء في الحصار الأول للاتحادية، وفي هذا اليوم كنت في ميدان التحرير، وانتقلت منه لقصر الاتحادية، وأفزعني أن أشاهد الوجود المسيحي وهو يشكل أغلبية المتظاهرين، ورأيت قساوسة ورهباناً هنا وهناك، في مشهد لا تخطئ العين دلالته.

كان هذا في شهر ديسمبر 2012 ولم يغير مرسي من إستراتيجيته، إلى أن وقعت مظاهرات 30 يونيو 2013، الذي استخدمت غطاء للانقلاب العسكري في 3 يوليو. وتم القفز على أحداث ماسبيرو، والشهداء والضحايا، والتحالف بين الأقباط، ومن يقول الأقباط أنهم قتلوا أبنائهم في ماسبيرو.

الاتهام القبطي المعلن في أحداث ماسبيرو كان ضد المجلس العسكري، كسلطة حكم ولعبد الفتاح السيسي كجهة تنفيذ. وفي العداء للحكم الاخواني، الذي جاء على أنقاض حكم مبارك، صار عبد الفتاح السيسي هو الرمز، الذي يخرج المسيحيون لتأييده، وتأمر الكنيسة أتباعها في الولايات المتحدة الأمريكية بالتظاهر تأييداً له أمام مقر الأمم المتحدة، وتسيير الحافلات، وتقديم الوجبات الساخنة، للمشاركين.

ولا يجوز، والحال كذلك، نسيان الفاعل الأصلي في أحداث ماسبيرو، والإمساك في الأدوات: رشا مجدي وأحمد موسي.

ويا معشر الأقباط الذين يتحدثون الآن عن مجزرة ماسبيرو: "سعيدة"!.. فهل "سعيدة" تزوجت فعلا؟!

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الإخوة المسيحيون سعيدة!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7