الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2014
 
الأربعاء 8 أكتوبر 2014

مرّت على مصر في تاريخها الممتد نظم حكم عديدة متعاقبة، لم يفكر مؤسسوها في اللحظة التي ستنهار فيها أنظمتهم لتَرِثَها نظم جديدة. يفكر الحـُكّام في البدايات المشرقة ويتناسون النهايات المــُحْرقة، فأي مقبل على الحياة يفكر في لحظات احتضاره؟ لم يدر بخلد عمرو بن العاص أن يزول حكم الأمويين في دمشق فيحكم مصر ولاة عباسيون ينقلون مركز الحكم من فسطاطه إلى مدينة "العسكر"، فهل كان في مخيلة ولاة مصر العباسيين أن تتحول عاصمتهم إلى "زينهم" و"البغالة" حالياً؟ وهل تخيّل أحمد بن طولون أن تصير عاصمته "القطائع" هي منطقة "قلعة الكبش" العشوائية في الزمن الراهن؟ وهل استقر الأمر للإخشيديين العباسيين؟ وهل احتمى الفاطميون بالسّوريْن اللذين بنوهما حول قاهرتهم فاحتفظوا بحكم مصر لأكثر من قرنين؟

أمر صلاح الدين الأيوبي ببناء قلعة مهيبة فوق جبل المقطم لتكون مركز الحكم الجديد، لكنه رحل عن الدنيا قبل أن يسكنها. حكم الأيوبيون مصر قرابة القرن، حتى ورث المماليك قلعتهم. رحل المماليك البحرية عن حكم مصر، وتلاهم المماليك البرجية، ثم نصّب الظاهر بيبرس خليفة عباسياً ليحكم المماليك الشراكسة تحت الزعامة الروحية القُرَشية. دخل السلطان العثماني سليم الأول مصر غازياً، وعاد إلى الآستانة بآخر خليفة عباسي، وصارت مصر ولاية عثمانية يعيّن واليها المملوكي بفرمان من الباب العالي لما يقرب من ثلاثة قرون.

حارب محمد علي باشا حتى حصل على مباركة الباب العالي بألّا تخرج ولاية مصر من أسرته، وطمح حفيده إسماعيل بن إبراهيم فيما هو أكثر من الولاية فحصل على الخديوية، وانحصر حكم مصر في نسله من دون بقية الأسرة العلوية. وبعد حفل افتتاح قناة السويس المهيب، لم يتركه الاحتلال البريطاني على عرش القصر، فأتى بابنه توفيق خلفاً له في حياته، ثم صار لمصر سلطانٌ نكايةً في السلطنة العثمانية إبّان الحرب العالمية الأولى، وما لبث السلطان فؤاد أن تحول إلى ملك، وفي عهد الملك الثاني، فاروق الأول، وقع انقلاب الضباط الأحرار وانتهى حكم الأسرة العلوية.

انشغل جمال عبد الناصر بإزاحة اللواء محمد نجيب، الذي لم تكن توجهاته الديمقراطية ورغبته في العودة للثكنات تاركاً الحكم للمدنيين موافقةً لهوى الضباط، الذين أرادوا الهيمنة على زمام الأمور كلها بلا استثناء. جمح خيال عبد الناصر فرأى نفسه زعيماً منتصراً مؤيّداً بحب الجماهير الجارف، وقائداً للاستقلال الوطني يؤمم القناة ويبني السد العالي، ورمزاً عالمياً لمناهضة الإمبريالية ومؤسساً لرابطة دول عدم الانحياز، لكنه لم يفكر في هزيمة يونيو النكراء ولا في رحيله وقد خسرت مصر السودان وغزة وسيناء. أتى السادات فهيأ الدولة للحرب، ونجح في ذلك، ثم رأى نفسه زعيم الحرب والسلام ذا الحق المطلق في تقرير مصير أمته منفرداً، فلفظته الدول العربية وقتله ضباط جيشه في ذكرى انتصارهم الذي قادهم فيه قبل جموحه. جاء رئيس الطوارئ، حسني مبارك، فجثم على أنفاس المصريين ثلاثة عقود كبيسة اختتمها بتمهيد الطريق لابنه كي يرث حكماً جمهورياً شكلاً وملكياً مضموناً، فخلعته ثورة شعبية تاريخية غير مسبوقة وقبع خلف القضبان.

أراد مجلس طنطاوي العسكري مماطلة الجماهير في فترة انتقالية أبدية فكانت موقعة محمد محمود، وانتزع الثوار موعداً محدداً لتسليم السلطة. انحسر التنافس الانتخابي بين ممثل النظام القديم ومرشح الإخوان المسلمين فانحازت الأصوات لإسقاط النظام، لكن الباحث عن التمكين والنهضة الإسلامية الموهومة لم يفعل أكثر من عزل طنطاوي ورئيس أركانه. مرّت الشهور سريعاً، ولم تكتمل السنة حتى لفظت الجماهير حكم الإخوان، وانقلب الجيش ليقطع الاستراحة المدنية القصيرة من حكم الضباط. وها هو عبد الفتاح السيسي يعيده كـــرّة التاريخ ويعزم على نقل مركز الحكم ويرى نفسه زعيماً خالداً لن يخفت ذكره ولا تغيب شمس حكمه، وهو الوهم القديم يعود للظهور متجسداً في حاكم لا يعرف مصيره المحتوم، بعد!

ستنتهي جمهورية الضباط، كما رحلت أسرة محمد علي بولاتها وخديويها وسلاطينها وملوكها. سيزول الحكم العسكري لمصر كما باد حكم المماليك، ومن قبلهم الأيوبيين والفاطميين. لن نرى الجنرالات على رأس أجهزة الدولة المدنية كما لم نعد نسمع عن حكم الطولونيين والأمويين إلا في كتب التاريخ. لو دامت لغيرهم لما وصلت إليهم، وما جعل الله في الدنيا من خلود، وفي الآثار الفرعونية واليونانية والرومانية خير شاهد ودليل.

اليقين، كل اليقين، أن جمهورية الضباط وحكمها العسكري إلى زوال. لكن تحديد موعد رحيلها لن يكون بأسباب تداعيها الداخلي فقط، وإنما بوجود بديل مستعد للحكم وقادر عليه، ومتخيّل له. لن تنتهي جمهورية الضباط بالصدفة، ولن يزول حكمها بالأمانيّ، ولن يكون لها بديل ما لم نجهد خيالنا في تصوره والحلم به. خيالنا وتصوراتنا ستوجّه سلوكنا وتصرفاتنا، وأفعالنا ستصنع مستقبلنا. نعم، نستطيع أن نصنع التغيير الذي نحلم به بأعمالنا وإنجازنا، لكننا لن نجني ثمرة أفعالنا الواعية إلا إذا كانت جليّة في مخيلتنا. والخيال تصنعه الصورة كما ترسمه الكلمات..

إن خطابنا ولغتنا، كلماتنا ورسوماتنا، أغانينا وموسيقانا، هي أدواتنا لإزاحة جمهورية الضباط من سدة الحكم. خيالنا الخصيب في مواجهة نظامهم العقيم، وإبداعنا في مقابل التزامهم، ونقدنا لرجعيتهم، وتجديدنا الرافض لجمودهم، وشبابنا المتحدّي لشيخوختهم، كل أولئك في حاجة إلى قلم وريشة وقيثارة لنحارب بها بنادقهم وقنابلهم ودباباتهم. ستنتهي جمهورية الضباط حينما يتحرر خيالنا من أسرهم فنستطيع أن نرى مصرنا الديمقراطية المنشودة كما نرجوها ونصبو إليها، واضحة التفاصيل، بارزة المعالم، مدنيّة عادلة حرة كريمة.

سأبدأ في مقالاتي المقبلة سلسلة لرسم مصر كما يراها خيالي، وأدعو كل الثوار الكتاب والفنانين أن يشاركوا في صوغ مستقبلنا كما نتطلع إليه بعد زوال جمهورية الضباط. فلنبدأ من الآن في وضع دستورنا المنشود، وتشريعاتنا العادلة، ووصف مجتمعنا الرحيم المأمول، ورسم صورة متكاملة أفقياً وطولياً لمصر المتناغمة في تنوعها، المتعايشة بتعددها، النافذة في محيطها، القوية باقتصادها، المستقلة على أرضها بإرادة شعبها. الدعوة مفتوحة لكتاب "مصر العربية" وغيرهم، دعونا نرسم مستقبلنا بكلماتنا..
» إسماعيل الإسكندرانى

 
 
   Bookmark and Share      
  
 ماذا بعد جمهورية الضباط؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7