الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2014
 
الخميس 9 أكتوبر 2014

في الرد على "هريدي وشركاه"!
سليم عزوز
تلقيت رسالة من "هريدي الصعيدي"، يطلب مني أن أفسر له أسباب تنقلاتي الأيديولوجية و"الحزبية" من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن أقصى اليسار إلى أقصى اليمن؟!

وقد أحسست بالخبرة، أن "هريدي"، جاد في طلبه، لإيمانه بالفعل أنني متقلب، ومتحول من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبالعكس. ورسالته ليست من نوعية الرسائل، التي تستهدف الطعن، أو التشهير، أو حتى الابتزاز، ومسؤوليتي القديمة عن قسم البريد بإحدى الصحف المصرية، أكسبتني خبرة، في الوقوف على الجاد في الرسائل، والذي يعمل من أجل ابتزازك، وعلى طريقة أنني أرسل لك هذه الرسالة وأتحداك أن تنشرها أو ترد عليها، وهي رسائل تدفعني لقبول التحدي علي طريقتي بأن أضعها في سلة المهملات، فما أنا بمأمون الرضا.. فكيف أكون مأمون الغضب؟!

بعض الكتاب يتعالون على رسائل القراء، وبعضهم يعرض عن التعامل مع هؤلاء الذين يلمس في تعليقاتهم عدم سلامة القصد، لكني لمست في رسالة "هريدي الصعيدي" محاولة للفهم وسعياً للإيضاح، وما أظن أن هذا هو اسمه، لكن استخدامه لهذا الاسم المستعار، له دلالته، لأن "هريدي" هو اسم صعيدي قح، وقد يأتي اليوم الذي يصبح اسماً عصرياً، كما حدث لاسمي، الذي كانت البرية تحتار في كيفية نطقه؛ فينطق في الصعيد وبلاد العرب بفتح "السين"، وينطقه الأعاجم في "وجه بحري" بكسرها.

مؤخراً أثيرت ضجة كبرى لأن الممثلة منى زكي، أنجبت طفلاً من زوجها الفنان أحمد حلمي. وسبب الضجة أنها حرصت على أن تلده في الولايات المتحدة الأمريكية، ليكتسب جنسية بلد المولد، لكن الذي راعني في الأمر كله هو أنها سمته "سليم"، وعندما سألت قيل لي لقد أصبح "سليم" موضة هذه الأيام. وما أظنها ستستمر طويلاً، ليكتشف "سليم أحمد حلمي"، أن اسمه صار عبئاً عليه، عندما يختلف الناس هل هو بفتح السين أم بكسرها؟!

تقول النكتة أن "هريدي".. الصعيدي طبعاً، فتح متجراً، وكتب على واجهته "بقالة هريدي وولده"، أخذاً بالشائع.. فسئل: وهل لديك ولد؟.. فأجاب بالنفي. إذن كيف تكتب "وولده"، فمسح المكتوب وكتب " بقالة هريدي وشركاه"، تقليداً أيضاً للسائد. فسئل وهل لديك شركاء؟.. فكان جوابه نفياً. وقيل له: فكيف تكتب "وشركاه" ولا يوجد لك شركاء. ولأنه "هريدي الصعيدي"، فقد كتب لافتة جديدة كلماتها: "بقالة هريدي وحده لا شريك له".. فكفره أعضاء الجماعات الدينية وقتلوه حداً.

الاتهام لي بالانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار أعرف حيثياته، عند من يطلقونه، وسواء بحسن نية، وسلامة طوية، كما جاء في رسالة "هريدي الصعيدي"، أو بسوء نية كما جاء في مقال لزميل بـ "الأهرام" حمل عنوان: "عزوز مهدي الإخوان المنتظر"، وكما ردده زميلنا سليمان الحكيم في برنامج تلفزيوني، انتهى إلى تبادل الاتهامات بين الحكيم وجمال زهران، وهما من مؤيدي انقلاب العسكر على الرئيس المنتخب.. "ذنبي". وقد وصف زميلي سلوكي وأنا الخصم السابق للإخوان، بـ "الانتهازي"!

هناك خطأ شائع، وهو أنني ناصري، وقد نفيته كثيراً دون جدوى، ولي كتابات قديمة ضد عبد الناصر قبل الانقلاب العسكري، بل وقبل ثورة يناير نفسها، نشرت قبل انتشار الانترنت، فظلت محلية يعرفها الناصريون في مصر، ومنهم صديقي القديم سليمان الحكيم. فأول ما تفتق وعيي السياسي على اسم عبد الناصر، كان من خلال كتاب "البوابة السوداء"، لأحمد رائف، الذي كان يروي التعذيب الرهيب ضد الإخوان في سجون العهد الناصري، ونقلني وأنا الصبي البريء وجدانياً إلى داخل السجون، حيث الجلد بالسياط والصعق بالكهرباء. وربما ساهم هذا في رفضي للاستبداد، وكرهي للطغاة، وتعاملي مع الحرية على أنها قيمة، تستحق أن يناضل المرء في سبيل أن تسود الأرض.

عندما كبرت، كانت دعاية الناصريين المضادة، أن ما كتب في هذا الكتاب وغيره مثل مذكرات زينب الغزالي عن التعذيب هو محض افتراء، وكدت أركن إليهم، لأنني وجدت أن من المصلحة عدم العداء مع رجل، له في الجانب الآخر إنجازات لصالح أمته، لا تنكر، لكن صدمتني مذكرات حلفائه الشيوعيين من أمثال فتحي عبد الفتاح عن التعذيب، وكان على ذات قواعد الإجرام التي وردت في "البوابة السوداء" و"سراديب الشيطان"، غاية ما في الأمر أن الشيوعيين قد غفروا ولم يغفر الإخوان، ولم أستطع أنا أن أغفر، فقد أرق العهد الناصري بما فعل وجداني بمجرد القراءة.

فمن أنا إذن؟!..

من قبل كتبت: "أنا ليبرالي، على كتاب الله وسنة رسوله ومذهب الإمام أبي حنيفة النعمان".. والعبارة الأخيرة التي تمثل شرحاً لليبراليتي استدعيتها من صيغة المأذون في عقد الزواج: "زوجتك نفسي على كتاب الله وسنة رسوله ومذهب الإمام أبي حنيفة النعمان". وإن كان أبو حنيفة، من وجهة نظري، هو أحد الفقهاء الليبراليين الذين عرفتهم ساحة الفقه الإسلامي.

كان التفسير هو للتمييز، عن هؤلاء الذين يهرولون إلى السفارة الأمريكية، باعتبارها قبلة الليبراليين المصريين، وأيضاً لأولئك الذين تختلط في أذهانهم المفاهيم فلا يفرقون بين الليبرالية والإلحاد ويرونهما صنوان. وقد صارت الليبرالية تقليعة، كما أصبح اسم "سليم" تقليعة هذه الأيام، فيختاره فنانين اسماً لطفلهم الذي قررا له أن يحمل الجنسية الأمريكية.

نأتي لمربط الفرس، فما الذي يدفع ليبرالياً لأن يقف هذه الأيام في خندق الإخوان ومع الشرعية، وضد الحكم الجديد في مصر، الذي جاء انقلاباً على هذا الخصم الذي كنت معارضاً له، بل كنت خصماً قديماً للجماعة التي ينتمي إليها. فلم أكن من الليبراليين المتعايشين مع الجماعة، وبعضهم دخل البرلمان محمولاً على قوائمها، ومن الناصريين من لا يمكن أن يحلموا بأن يكونوا نواباً، إلا بفضل الإخوان، ضعف الطالب والمطلوب.

البعض ونظراً، لكراهيته للإخوان ينسى أن الحاصل في مصر الآن ليس معركة بين الدولة المدنية والدولة الدينية، أو بين السيسي والإخوان، فهي معركة بين الثورة والثورة المضادة، وقد كنت منذ اليوم الأول مع الثورة لم أخنها بالقول.. فهل تحولت أنا الآن؟!
وموقفي الرافض للاستبداد، هو الذي دفعني أيام مبارك، أن اكتب أربع مقالات دفاعاً عن عصام العريان في أربع اعتقالات مختلفة، وأن أكتب رافضاً التنكيل بهم، بل ورافضاً ما أسميته بحملة الإبادة الإعلامية، عقب انتخابات سنة 2005، والتي كانت تحدث في غيبة منهم وسميتها جلسات النميمة التلفزيونية.. كما دفعني للوقوف كتابة وتظاهراً ضد إغلاق السلطة لجريدة الجماعة "آفاق عربية" التي لا يصدر منها عدد دون أن يتم الهجوم علي فيه بالاسم. فماذا جد علي ليقول "هريدي الصعيدي" أنني أتنقل بين الايدولوجيات؟!

وأنا كنت قبل الثورة ضد حكم العسكر، وهتفت حينها بسقوط حكم العسكر، ورفضت حكم المجلس العسكري، فهل انتقالي بين الايدولوجيات يكون بممالأتي الآن للحكم العسكري، والانقلاب على الرئيس المنتخب، أم في استمراري رافضاً لحكم العسكر، ومع اختيار الناس وإن جاءوا بعبد حبشي؟!

ورغم أنني كنت معارضاً للرئيس محمد مرسي، إلا أنني كنت مبكراً ضد الانقلاب عليه، لأن هذا فيه خروج على قيم الديمقراطية، التي أؤمن بها، ويمثل تعريضا للتجربة الديمقراطية الوليدة للخطر. وأذكر "هريدي وشركاه" أنني قبل الانقلاب أعلنت رفضي للانتخابات الرئاسية المبكرة، وهو رأي مكتوب ومنشور ومذاع تلفزيونياً، فهل ارتكبت بوقوفي مع الشرعية مالا يتسق مع أفكاري، حتى يطلب مني طالب أن أفسر له أسباب تنقلاتي الايدولوجية والحزبية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وبالعكس؟.

ويا عزيزي "هريدي".. ويا كل "هريدي".. أنا في مكاني لم أبرحه!
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 في الرد على "هريدي وشركاه"!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7