الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2014
 
السبت 25 أكتوبر 2014

د. فتحي أبو الورد يكتب: المساواة بين النظرية والتطبيق


 

ورد فى صحيح الإمام البخارى عن عائشة - رضى الله عنها -: أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التى سرقت فقالوا من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أتشفع فى حد من حدود الله " ثم قام فخطب ، قال " يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سرقت لقطع محمد يدها" فى وضوح تام وصراحة لا تقبل التأويل يقرر نبى الهدى صلى الله عليه وسلم انه لا أحد فوق القانون، وأن القانون يطبق على الجميع لا فرق بين شريفهم ووضيعهم ولا عظيمهم وصغيرهم، حتى وإن كان السارق ابنة الحاكم نفسه صلى الله عليه وسلم وحاشاها. 

 

وقد أوضح الخليفة الأول من أول يوم فى خلافته أن الناس جميعًا أمام القانون سواء، فكان مما أكد على نهجه فى الحكم كما جاء فى مصنف عبد الرزاق: يا أيها الناس إنى وليت عليكم ولست بخيركم، فإن ضعفت فقومونى وإن أحسنت فأعينونى، الصدق أمانه والكذب خيانة، الضعيف فيكم القوى عندى حتى أزيح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم الضعيف عندى حتى آخذ منه الحق إن شاء الله. أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم .

 

وقد كتب عمر بن الخطاب فى التذكير بأصل مبدأ المساواة بين الناس فى القضاء كتابا إلى قاضيه أبى موسى الأشعرى ــ رضى الله عنه ــ جاء فيه :"هذا كتاب عمر إلى أبى موسى أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، افهم إذا أدلى إليك، فإنه لا ينفع كلمة حق لا نفاذ له، آس بين الناس فى وجهك ومجلسك وعدلك، حتى لا يطمع شريف فى حيفك، ولا يخاف ضعيف من جورك ". ومما كتبه أيضًا للناس :"اجعلوا الناس عندكم فى الحق سواء قريبهم كبعيدهم وبعيدهم كقريبهم، وإياكم والرشا والحكم بالهوى، وأن تأخذوا الناس عند الغضب" . 

 

ولم تكن هذه المبادىْ بمنأى عن حياة الناس، أو شعارات يتلهى بها المغلوبون على أمرهم، فلم يكن التنظير بمعزل عن التطبيق ، ولا تجد دنيا الناس فى ممارسة مبدأ المساواة أمام القانون أعظم مما سطرته صحائف القضاء فى تراثنا الإسلامى. يقول الشعبى كما يروى البيهقى فى السنن الكبرى :كان بين عمربن الخطاب وبين أبى بن كعب ــ رضى الله عنهما ــ تدارى فى شىء، وادّعى أبّى على عمر، فأنكر ذلك، فجعلا بينهما زيد بن ثابت، فأتياه، فلما دخلا عليه، قال له عمر: أتيناك للحكم بيننا، وفى بيته يؤتى الحكم، فوسع له زيد عن صدر فراشه، فقال: ها هنا يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: لقد جُرْت فى الفتيا، ولكن أجلس مع خصمى، فجلسا بين يديه فادّعى أُبّى، وأنكر عمر، فقال زيد لأبى: اعفُ أمير المؤمنين من اليمين، وما كنت لأسألها لأحد غيره، فحلف عمر ــ رضى الله عنه ــ. ثم أقسم: لا يدرك زيد بن ثابت القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء .

 

ولا يخفى ما كان من قضائه لابن القبطى الذى ضربه ابن عمرو بن العاصى حاكم مصر، وإجرائه المساواة لأبعد حدود مما يعد لدى غير المسلمين أقرب الى الخيال منه إلى الواقع. 

 

لقد أصّل الخلفاء الراشدون لمبدأ وقاعدة المساواة أمام القانون حتى إن كتب الآثار لتروى أن عليا بن أبى طالب اختصم إلى شريح القاضى فى درع له وجدها مع نصرانى وقال: اقض بينى وبينه يا شريح. فقال شريح: تقول يا أمير المؤمنين. فقال على: هذه درعى ذهبت منى منذ زمان. فقال شريح: ما تقول يانصرانى؟ فقال النصرانى: ما أكذب أمير المؤمنين الدرع هى درعى. فقال شريح: ما أرى أن تخرج من يده. فهل من بينه؟ فقال على: صدق شريح. فقال النصرانى: أما أنا أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يجئ إلى قاضيه، وقاضيه يقضى عليه، هى والله يا أمير المؤمنين درعك. اتبعتك من الجيش، وقد زالت عن جملك الأورق، فأخذتها. فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال على: أما إذ أسلمت فهى لك وحمله على فرس عتيق. فقال الشعبى: لقد رأيته يقاتل المشركين.

إنه لاعبرة لقول قائل، ولا حجه فى قوله أمام القضاء إلا بالبينة والدلائل حتى ولو كان صاحب هذا الادعاء هو حاكم المسلمين وخليفتهم لأن المبدأ يسرى على الجميع والجميع أمام القانون سواء. 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المساواة بين النظرية والتطبيق

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7