الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2014
 
الأحد 26 أكتوبر 2014

د. خليل العناني يكتب: رسائل الرجاء والاستجداء في مصر

 

منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013، تحولت "النخبة المصرية" من فاعلٍ مؤثر، وله صوت طوال مرحلة ما بعد الثورة، إلى مجرد "رديف" سياسي للأصولية السلطوية. وقد توهّم كثير منهم أن وصول الجنرال السيسي إلى السلطة سوف يكون لصالحهم، ولصالح مشروعهم السياسي. ولكن سرعان ما تبدّد هذا الوهم، وانكشفت الحقيقة أمامهم عارية. وفى الوقت الذي تماهى فيه قطاع واسع من هذه النخبة مع السلطة، قلباً وقالباً، فإن ثمة حالة من التململ بدأت تصيب فئة أخرى، بعد أن اكتشفت حقيقة "الفخ" السياسي الذي تم نصبه لها طوال العام الماضي، وبعد أن جرى الانقلاب عليها وعلى مصالحها، وأصبحت بلا تأثير حقيقي على مجريات الأوضاع السياسية في مصر.

 

وتشمل هذه الفئة مثقفين وإعلاميين وأساتذة جامعات، كانوا جميعاً في خط الدفاع الأول عن الانقلاب، وما تلاه، واستمرأوا قتل النفوس وانتهاك الأعراض وافتراس الحريات بشكل غير مسبوق. هؤلاء يرسلون، الآن، إشارات متقطعة، وعلى استحياء، يستجدون فيها السلطة، ويحثونها على تغيير أسلوبها في التعاطي مع الأزمة السياسية المتواصلة، ويترجّونها كي تقلل من قبضتها الأمنية، وبطشها الذي طال بعضهم.


 

ولا يكاد يمر يوم من دون أن نقرأ، أو نسمع، أو نشاهد، بعض هؤلاء يجأر بالشكوى مما آلت إليه الأوضاع، ويطالبون "الجنرال" أن ينظر بعين العطف لشكواهم ومطالبهم، حتى لا تنقلب الأوضاع على رؤوسهم، ويدفعوا الثمن. لذا، لم يكن غريباً أن تجد كاتباً ومثقفاً شهيراً ينقلب على السيسي، وينتقد انسداد المجال السياسي، وهو الذي شجّع وهتف للانقلاب ولقائده من قبل. وليس غريباً أن يصرخ "إعلامي" خائفاً ومحذراً من عودة النظام القديم/الجديد الذي لم يسقط، أصلاً، وهو الذي هلّل، قبل أسابيع، للجنرال الذي "غزا" نيويورك بخطبة فارغة المعنى والمضمون. أو أن ينتقد زميل له بعض الوزراء والحكومة من دون أن يقوى على توجيه اللوم إلى المسؤول الأول عن تدهور الأوضاع. وعلى الرغم من ذلك، يتم قطع "الإرسال" عنه بامتهان وازدراء، على الرغم من ولائه الشديد للنظام. أو أن تجد أستاذاً جامعياً، ينتقد النظام على استحياء، وبلغة يملؤها الانكسار والرجاء، أن يعيد النظر في سياساته، لأنها سوف تضر بإنجازات "ثورة 30 يونيو". أو أن تعلن "كاتبة" صحافية تمردها على الجنرال "معشوق النساء" الذي خذلها، ولم يستجب لمطالبها بتنظيف الإعلام من خصومها، وهي التي غازلته "غمزاً" وعلناً قبل فترة، من دون خجل أو استحياء.

 

هؤلاء جميعاً باتوا في حالة يُرثي لها، ولا يمكن وصف سلوكهم الجديد بأنه "استفاقة" متأخرة، أو محاولة لاستدراك الخطأ الجسيم الذي ارتكبوه قبل أكثر من عام، وإنما هي علامة خوف وشعور بالقلق من أن يؤول المسار السياسي الذي دعموه إلى كارثة وفوضى، تطيح بهم وبمن دعموه و"ألّهوه". شعور بالضياع يعكس سوء اختيار بالوقوف في الجانب الخطأ من التاريخ، ويكشف سذاجة غير مسبوقة. وقد نسي هؤلاء أن العسكر إذا حكموا قريةً أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة. وهو أمر لم يعد محل شك أو جدال، سواء داخل الدوائر البحثية والأكاديمية، أو بحكم التجربة والتاريخ، ولا يدرك هؤلاء أن السلطويات لا تستمع، ولا تلقي بالاً لهم، ليس فقط لضعفهم وقلة حيلتهم، وإنما، أيضاً، لأنهم كانوا أول من دعموها واستدعوها، لكي تتخلص من معارضيهم، مثلما حدث في الثالث من يوليو/تموز 2013.

 

الآن، تتوالى رسائل الصباح والمساء من هؤلاء الموالين، بين استجداء وخنوع لنظام يتفنن في إذلال قومه، وبين رجاء وابتهال لسلطة تعتاش على القمع والإقصاء، حتى لمن وقف خلفها ودعمها يوماً. ولعله من المفارقة أن كثيرين من هؤلاء كانوا معارضين، أو هكذا ادّعوا، أقوياء، لنظام حسني مبارك وسياساته.

والآن، يهرولون خلف السلطة رغباً وطمعاً، ويتقربون إليها بالمزايدة والمكايدة لبعضهم. في حين يخشى بعض منظّري "الجنرال" أن ينقلب السحر على الساحر، فتؤول السلطة والمزايا التي حصلوا عليها إلى غيرهم. وهم الآن في معركة دفاع مصيرية، للدفاع عن مصالحهم ومستقبلهم، حتى لو كان الثمن حرية المجتمع وسلامة مواطنيه. وقد دافع أحدهم أخيراً، وبشدة عن العنف السلطوي في الجامعات، باعتباره رمزاً لهيبة الدولة وسلطانها. في حين نافح آخر عن وزارة الداخلية وبلطجيتها الذين يعتدون على الطلاب في حرمهم الجامعي.

 

ليست المعركة، الآن، بين "الإخوان المسلمين" والعسكر، كما يحاول الإعلام الموالي تصويرها، وإنما بالأساس بين الأجهزة القديمة والجديدة، وبين الموالين المهتزين والموالين الـ"هارد كور"، وبين البيزنس القديم والبيزنس الجديد، وبين شيوخ الدولة القديمة وعمائم السلطان الجدد، وبين الإعلاميين التابعين للسلطة وخصومهم السائرين خلف الأجهزة. ويبدو أن الصراع قد وصل إلى مرحلة حرجة، بدليل "التقرير السيادي" الذي تحدثت عنه إحدى الجرائد، أخيراً، والذي يحذر السلطة من ارتفاع معدل الغضب والاحتقان داخل كتلة الموالين للنظام وحلفاء "30 يونيو"، والذي يشي بأن معركة "كسر العظم" داخل التحالف المشؤوم قد وصلت إلى مستوى حاد، وذلك بانتظار الحسم لأحد الأطراف.

لن يتراجع هؤلاء عن أخطائهم التي اقترفوها بتأييد الانقلاب، ولن يعترفوا بعملية "الاغتصاب" السياسي التي جرت للوطن، على أيدي جنرال حالم، لكنهم، حتماً، سيدفعون ثمن حماقتهم وسذاجتهم، فهكذا يقول التاريخ، وهكذا تمضي السُنن.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 رسائل الرجاء والاستجداء في مصر

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7