الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2014
 
الأربعاء 29 أكتوبر 2014

ترزية القوانين الاستبدادية


د. سيف عبد الفتاح

واحدة من أهم الأدوات التى ابتدعها النظام الانقلابى تمثلت فى لجنة تسمى "الإصلاح التشريعى"، الإصلاح التشريعى فى عرف المنظومات الانقلابية لا يعنى إلا محاولتها إضفاء حالة من الشرعنة الزائفة والكاذبة على باطلها واغتصابها، وتسويغ استبدادها وسياسات فسادها، هذه اللجنة من حيث وظيفتها الحقيقية تستحق إسم "لجنة ترزية القوانين الاستبدادية"، صياغة الحياة المرغوبة من الانقلاب لعموم الناس من خلال القوانين التى تشكل إدراكاتهم وكذلك أنماط سلوكهم.

 

تذكرت كل ذلك في مسار المجلس العسكري الفائت الذى أدار البلاد بتوجيه من "مبارك" المخلوع وقد كتبت فى حينه عن "إعلانه الدستورى المكبل" قبيل تسليم السلطة الى الرئيس المنتخب، والذى تمحور حول امتلاكه سلطة التشريع، هكذا اغتصابا، السلطة التأسيسية التى درسها لنا أستاذنا المرحوم الدكتور حامد ربيع وأكد أنها سلطة الدستور، أما هؤلاء ترزية القوانين فيقولون: إذا اختفى الدستور، كان العسكر هم الدستور. وذهبنا نبحث فى طيات كتب السياسة بمدارسها نبحث عن العسكر كسلطة تأسيسية فلم نجد ذلك إلا فى كتب التغلب والانقلابات العسكرية المقيتة، وكتب صناعة الاستبداد وشبكاته العتيقة، ودهاقنة القانون الكاذب والزائف، الذين يتحدثون عن سيادة القانون، وهم ينتهكونه، والمساواة أمام القانون وهم ينفونها فى انتقائية عجيبة، ودولة القانون التى تستند إلى قوة العسكر فى انقلاب مغطى ناعم يريدون فيه أن يحكموا ويتحكموا من وراء ستار.

 

وخرج علينا قانونيون من المجلس الاستشارى السابق («المحلل»)، يتحدثون عن العسكري كسلطة تأسيس للسلطات هو سلطة أعلى يذكرنى ذلك بالمؤتمرات الصادرة عنهم وقد كُتبت يافطة عريضة عليها كلمة «المجلس الأعلى»!

 

إذا قلت لترزية القوانين أنهم يجمعون السلطات فى يد واحدة، هي "سلطة العسكرى" الذي هو بحكم التعريف لا شأن له بما هو سياسي، إلا ما يحدد له من دور، ولا شأن له بالمدني -إلا حماية أمن الناس والشعب- قالوا إنه حامي الحمى، أو خلطوا من كل طريق بين مجلس عسكرى يدير المرحلة الانتقالية وبين قوات مسلحة تحمي الوطن.

 

وأطلقوا نكتة أخرى: أن العسكرى هو من يحمي «الدولة المدنية» فإن قلت كيف؟، قالوا هكذا؟ فإن قلنا «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» لم تكن هناك من إجابة إلا أنهم يثقون بأن العسكرى هو حامي «المدني»، وهذان فى كتب السياسة نقيضان لا يجتمعان إلا في عقل الكائنات العسكرية من السياسين والمثقفين، وترزية القوانين الجاهزين من باب «أحلام سعادتك أوامر» «وأوامر حضرتك بكرة (غدا) تتنفذ أول أمس»، إنها زمرة العبيد حينما تحيط بسيدها تسوغ له، وتبرر لمزاجه وهواه.

 

الأمر ليس بعيدا عن هذه الذاكرة القريبة، ترزية القوانين يفصلون ويخيطون القانون على مقاس الحاكم المستبد صاحب السلطة والسطوة، ومتطلبات استقرار سلطته وسلطانه، ولا بأس بحديث التعبئة الممتلئ بالأكاذيب يبرر ويمرر ويزور فهاهو أستاذ أكاديمى حقوقى يضحي بكل الحقوق، الحق الوحيد الذى يدافع عنه حق المستبد فيقول "علينا تنحية "حرية التعبير" جانبًا لمواجهة الإرهاب"، مقايضة عجيبة ومساومة على الحقوق وغطاء لتسويغ الاستبداد وكل سياسات الفساد، وهاهو يبرر قرار المنقلب الرئيس بإشراك القوات المسلحة في حماية وتأمين المنشآت العامة والحيوية بالدولة برفقة الشرطة، يتوافق تمامًا مع الدستور المصري، الذي أتاح للجيش مشاركة الشرطة في حفظ الأمن والأمان في البلاد. وأن إحالة الجرائم ضد المنشآت العامة والحيوية للنيابة العسكرية، هو أمر دستوري بحت، بحكم المادة 204 من الدستور، والتي تجيز إحالة مرتكبي الاعتداءات ضد منشآت أو أفراد أو ذخائر القوات المسلحة للنيابة العسكرية، مشيرًا إلى أن القرار الأخير بتأمين القوات المسلحة للمنشآت العامة، جعل أي اعتداء عليهم جريمة تستوجب الإحالة للنيابة العسكرية.

 

وصرح مصدر عسكري أن القرار الجمهوري الذي أصدره المنقلب الرئيس ، والذي “يخول” القوات المسلحة مشاركه الشرطة في حماية تأمين المنشآت العامة والحيوية، يهدف الي معاونة جهاز الشرطة في مواجهه التحديات، سواء كانت “أمنية أو إرهابية”، بالإضافة الي أنها ستساعد قوات الشرطة في تأمين الجبهة الداخلية من العديد من المخاطر. وأضاف المصدر أن القوات المسلحة ستعمل علي تأمين “محطات الكهرباء، خطوط الغاز والبترول، الأهداف الاستراتيجية للدولة والحيوية، المنشآت العامة والسيادية، مشيراً إلى أن القوات المسلحة بدأت بالفعل بتنفيذ القرار من ساعة صدوره.

 

لم يتأخر هؤلاء كثيرا بل هى سويعات حتى كشف مصدر مسؤول بوزارة التعليم العالي، عن صدور قرار لقوات الشرطة والجيش بالمشاركة في تأمين الجامعات الحكومية، بدءاً من الثلاثاء.

 

وأضاف المصدر أن قوات الجيش ستشارك في تأمين الجامعات، وذلك لمنع أحداث الشغب التي تحدث بها من قبل بعض الطلاب، مشيراً إلى أن الأمر سيردع الطلاب وبقوة، خاصة، وأن أي طالب سيتعدى على قوات الشرطة أو الجيش، سيتم مثوله أمام المحاكم العسكرية مباشرة، لافتاً إلى أن الحكم في هذه المحاكم لا يتعدي الثلاثة أسابيع ثم يصدر على أي طالب تثبت إدانته، أما عن دور تأمين شركة فالكون المستقبلي بعد تواجد قوات الجيش والشرطة، فأكد المصدر، أن شركة فالكون وظيفتها تأمين البوابات من الخارج فقط.

 

التغيير للقوانين على تلك الشاكلة هي عملية عسكرة يتسع مداها فى إطار عسكرة الدولة والمجتمع، إذا أردت أن تعسكر مكانا أو منشأة وتجعله خاضعا لمحاكمات عسكرية فضع عسكري واحد فى الطريق حتى يكون ذلك مبررا لعسكرة المحاكمة، ولعل التصريحات حول الجامعة تمهيد لعسكرتها نموذجا فى هذا المقام، ولجنة ترزية القوانين الاستبدادية تحت الطلب فى خدمة المستبد وعسكرة تطول الدولة والمجتمع.

 

إن عودة ظاهرة "ترزية القوانين" متمثلا فى لجنة الإصلاح التشريعي، وماهي في الحقيقة بإصلاح بل هى عملية معكوسة فى تمرير الفساد وإقامة أوتاد الفرعونية والفساد. أن تلك القرارات تمثل عودة صارخة لظاهرة " ترزية القوانين" التى كانت تمارسها أنظمة الحكم المستبدة قبل ثورة يناير المجيدة.

 

تلك التشريعات الباطلة فضلا عن كونها تدل على تخبط وارتباك تشريعى وتظهر مأساة التشريع فى عهد الانقلاب، فإنها تكرس أيضا لحالة الإقصاء المتعمد والمتوحش فى حق الشرفاء من أبناء الوطن، كما تعد انتهاكا صارخا للحريات والحقوق العامة، وتتناقض مع المبادئ الدستورية والديمقراطية، وتعتبر تغولا من السلطة التنفيذية الانقلابية على أعمال السلطات التشريعية المنتخبة والتى تواترت تشريعاتها على خلاف ما أتت به سلطات الانقلاب.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 ترزية القوانين الاستبدادية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7