الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2014
 
الأحد 2 نوفمبر 2014
New Page 1
 في ذكرى عاشوراء.. قراءة للدلالات الحضارية الغائبة

بقلم: أ.د. خالد فهمي

أستاذ الدراسات اللغوية بآداب المنوفية

1. المدخل- طريق التحرير يبدأ من التحرير:

إن الإجماع منعقد على إن ثمة أزمة عاصفة وظروف ضاغطة وأجواء صاعقه تحيط بالمسلم المعاصر توشك أن تغيبه عن الوجود نهائيا.

وبعض الطريق الذى يلوح للتعاطي مع هذه الأزمة العاصفة والظروف الضاغطة والأجواء الصاعقة، ماثل في معاودة فحص صورة الإسلام النقية المنزلة في الكتاب والموضحة في السنة المشرفة، وماثل في استعادة بهائه وجاذبيته وماثل في تحريره.

يقول الدكتور فهمى جدعان في كتابه المهم جدا (تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات، الشبكة العربية للأبحاث, بيروت, الطبعة الأولى, سنة2014م, صفحة 16): "ما الذى أقصد إليه إذا جعل لهذا القول ربما هو تحرير الإسلام... الذى أقصد إليه هو الدفاع عن صورة الإسلام الصادرة عن منطوق كتاب المنزل العظيم وعن الغائيات والمقاصد التي أتبينها فيه صورة نقية أصلية جاذبة متحررة من الاختلاطات والاختلالات والتجاوزات والحيدات الزمنية التاريخية البشرية... والذهاب إلى تحريره من جملة العقائد والتصورات والفهوم والمواقف التي أعتقد وأرى وأجزم أنها سالبة، وتجريد الصورة الجاذبة لهذا الدين برد الأمور إلى نصابها وبذل الوسع من أجل صون الإسلام اليوم وغدا من التعديات والفهوم المغلوطة التي تولد إساءات حقيقية له ولأهله".

وبعض ذلك إنما يكون بمعاودة النظر والتأمل والفحص للسيرة النبوية المطهرة بما هي أعلى صور التطبيق النقي لمراد السماء.

إن طريق تحرير الإنسان المسلم المعاصر يبدأ من طريق التحرير للإسلام.

2. النص المؤسس:

وأول خطوة في هذا الطريق الممتد الصحيح التوجه إلى التأسيس، وفي هذا السياق فقد أخرج البخاري في صحيحه ومسلم كذلك عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه، فقال: إنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه.

وثمة أحاديث أخرى دائرة في فلك هذا الحديث الصحيح الشريف الذى حاز درجه فائقة من الصحة لاتفاق الشيخين على روايته وتخريجه.

وقد انعكست العناية بهذه الأحاديث الواردة في هذا الباب في صور كثيرة جدا وتفرعت فظهرت في أدبيات الفقه العامة في أبواب صيام التطوع وفى أدبيات الصيام المفردة المستقلة، وفي الكتب التي أفردت لفضائل المحرم، وفي مدونات السيرة الواسعة، وهو ما يعني أن حدود اعتماد هذا الحديث وما يدور في فلكه ومعناه تجاوزت حدود الإثبات إلى حدود أوسع ترعى تأسيس عدد ضخم من الأفكار وتنطق بكثير من الدلالات.

3. عاشوراء من العبادة إلى الحضارة:

لقد توقف العقل العربي المسلم أمام أحاديث فضائل يوم عاشوراء وأمام أحاديث الأمر بصيامه، وربما استخرجوا من مجموعها ما يلى:

أولا- كان صيام عاشوراء واجبا قبل الأمر بصيام شهر رمضان.

ثانيا- تحول الحكم على صيامه من الوجوب إلى الندب والاستحباب بعد الأمر بصيام شهر رمضان.

ثالثا- التوسع في صيام أيام قبله.

رابعا- اتخاذ صيام يوم قبله طريقا للتمايز العقدي من اليهود.

خامسا- النظر إلى صيام يوم عاشوراء طريقا لتكفير الذنوب وتجديد الحياة.

كانت هذه الخماسية هي أظهر ما يمكن أن تراه في قراءه الفكر الإسلامي لهذه الحادثة الجليلة وما أحاط بها من أحكام ونصوص.

وربما اتسع الباب قليلا ببعض الدعوات المفضية إلى تنقية ما علق بالذكرى مما رأته خارجا عن مقاصده، من مثل التوسعة على النفس والعيال توسعة مفصولة عن مقاصده ومعاندة لمن اتخذوه شعارا للحزن والكآبة!

وفى هذه المقالة نرى أن الوضع الراهن للمسلم المعاصر يفرض المراجعة للحادثات الإسلامية الأولى، من التطور الحضاري والمقاصدي، مكتفين في هذا السياق برؤوس أقلام لما يلوح من المقاصد خلف ذكرى الحادثة وما جاء فيها من أحاديث تؤرخ لها وتأمر بصيام يومها عند كل عام، وتشيع فضلها، وتثبت في الذاكرة الجمعية ملابساتها وظروفها، وفي ذلك نقرر ما يلي من المقاصد التي تخدمها الحادثة وتخرجها:

أولا- تقدير المواهب الإنسانية في أية ثقافة:

لقد ظهر من حفاوة النبي (صلى الله عليه وسلم) بموسى ومن نجا معه، نوع فرح وتقدير للمواهب الإنسانية العظيمة في أية ثقافة، وتكمن العناصر المستحقة للتقدير في خيرية الإنسان من دون النظر إلى جنسياتهم وقومياتهم وثقافاتهم المحلية.

ثانيا- إشاعة السلام العالمي:

لقد كشف الحديث الشريف الذي سبق في باب التأسيس للحادثة نوع انتصار لمحاولات إشاعة السلام العالمي بين الأمم، وإن شيوع تقدير الرموز الجمعية الثقافية الإنسانية المنتمية لأمة من جانب أمة أخرى، من شأنه انتشار أجواء الاحترام المتبادل، وهو الأمر الذي يسهم في إشاعة السلام العالمي.

إن مشاركة الأمم الأخرى تقدير أعيادها وأيامها القومية أمر داعم للسلام العالمي.

ثالثا- الانتصار لقيم الحق:

الحديث يعلن الفرح بموسى ومن معه، وهو رمز عالمي للحق، فهو نبي من أولي العزم من الرسل، ومن معه الذين تحملوا قسوة الطغيان وتمسكوا بمواريث الوحي واجتمعوا على الحق وناصروه.

رابعا- الفرح بنجاة المؤمنين والاحتفال بذلك:

الحديث الشريف يكاد يكون نصا في الدعوة للفرح بهلاك الطغيان، ويكاد يكون نصا في الدعوة إلى الفرح بنجاة المؤمنين ونجاة الفكرة الإصلاحية في كل بيئة في أي عصر، وهو معنى مستقر في الثقافة الإسلامية التي تعلن عن نفسها مقررة أنها ثقافه الانتصار للبهجة المنجية والآمنة.

إن الحديث ناطق بما سبق أن نطق به الكتاب العزيز عندما قال رب العزة سبحانه: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [سورة الأنعام: 45]. وعندما قال سبحانه: {فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} [سورة الروم: 4]. وهي الآية التي جاءت في أعقاب الأنباء بانتصار الحق في مواجهة الباطل.

خامسا- تعظيم المشترك الإنساني:

إن الفرح بنجاة موسى وقومه والدعوة إلى تربية وجدان الأمة وعقلها على الفرح بمحددات الصلاح في الثقافات الأخرى، باب واسع جدا لتعظيم المشترك الإنساني، ونشر الرسائل المطمئنة للثقافات المتجاورة.

سادسا- دعم برامج حقوق الإنسان:

إن الدعوة للفرح بنجاة فريق من المؤمنين، وتعظيم الحضارة لسلامتهم من ملاحقة طاغية مستهتر بقيم الإنسانية، هو شكل من أشكال برامج دعم حقوق الإنسان.

سابعا- تقدير عناصر التاريخ المحلي ودعم محددات الروح القومية في الأمة:

لقد شغب عدد من التيارات التقليدية الدعية النسب بالإسلام أنه لا أعياد غير العيدين: الفطر والأضحى، وهي في انتسابها المزعوم هذا مخطئة من حيث تتصور أنها تصيب.

ذلك أن حادثة عاشوراء والدعوة إلى تقديرها تفتح الباب أمام إعادة فحص الأيام التاريخية ومساهمتها في تنشيط الذاكرة القومية وتقوية الروح القومية.

إن الأيام التاريخية هي أيقونة تكوين الروح القومية في الأمة، ذلك أن عاشوراء بما هو يوم تاريخي يصب في خدمة الروح القومية للأمة، ويجمع عقلها الجمعي على احترام قيم الإيمان والأخلاق القومية، ومقاومة الباطل والطغيان، والاعتبار بالأمل القاضي بانتصار المؤمنين وتصديق موعد السماء بنجاة أهل الإيمان.

ثامنا- وحدة الأمة التاريخية:

الحادثة تعلن أن تاريخ الفكرة الإسلامية، المستسلمة لله، المرتبطة بشرائعه، المقبلة على عبادته، موصول غير منقطع، وممتد غير مفترق، وهو ما يعني الإعلان عن مقصد ما، به تحقق اتحاد الأمة ووحدة عناصرها بتقدير رموز كل عنصر، ورد الناس في الاحتفال بالحادثة وفق النسق الإسلامي بالعبادة، والعموم مانع من الغرور والاستكبار في الأرض.

تاسعا- الانتصار لمحددات الأمل في الأمة:

الحادثة إعلان صريح بهلاك واحد من رموز الطغيان العالمية، وانكسار جيشه وفنائه التام بغير تدخل بشري، وفى ذلك انتصار ساحق لقيم الأمل التي يجب أن تملأ قلوب المعاصرين المقهورين المغدورين المظلومين.

الحادثة تعلن أن الله هنا منتصر للحق ومنتصر لأهل الإيمان.

عاشرا- تمايز الأمة وإيجابيتها:

إن ما ورد في شأن الحادثة يكشف عن إرادة الثقافة الإسلامية الظاهرة في وصل أسبابها بأسباب الثقافات الأخرى، ويكشف عن إرادة تمايزها، وهو ما ظهر من الدعوة والندب إلى صوم يوم مع يوم عاشوراء، ويكشف عن إيجابية الأمة في توجهها للإضافة إلى الثقافات الأخرى بعد الاعتراف بها والتعاطي معها.

إن هذه المقاصد العشر قابلة للزيادة عليها، ومعلنة عما تخزنه الحادثة الإسلامية التاريخية من معانٍ حضارية كفيلة بأن تعيد للمسلم المعاصر ثقته بنفسه، وإيمانه وقدراته في سبيل القيم المنتصرة المؤمنة.

أظهروا فرحكم بأيام الله تعالى.

أظهروا فرحكم لتقوى روحكم.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  في ذكرى عاشوراء.. قراءة للدلالات الحضارية الغائبة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7