الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2014
 
الخميس 6 نوفمبر 2014

من أعاجيب زماننا غير المسبوقة فى مصر أنه حين صدر حكم الإدانة فى قضية قذف بين طرفين اثنين، فإن القاضى تطوع فى حيثيات الحكم وقدم من جانبه نموذجا لممارسة القذف بحق آخرين لم تكن لهم علاقة بالقضية. على الأقل فذلك ما قرأته فى حيثيات الحكم التى نشرت يوم 29/10، وشرح فيها قاضى جنايات القاهرة أسباب إدانة تغريم المستشار هشام جنينة رئيس جهاز المحاسبات وآخرين، فى قضية القذف التى رفعها ضدهم رئيس نادى القضاة. لم يستوقفنى الحكم على غرابته بقدر ما أثار انتباهى شذوذ ما أورده القاضى فى الحيثيات. إذ رغم أننى انفصلت عن دراسة القانون منذ أكثر من نصف قرن، إلا أننى مازلت أذكر أننا تعلمنا ونحن طلاب أمرين، أولهما ان القاضى لا يفصل بين غير الخصوم. والثانى أنه لا يحكم بناء على علمه أو رأيه الخاص، وإنما استنادا إلى ما هو ثابت لديه فى أوراق القضية من أقوال ودفوع. وقد أدهشنى أن حيثيات الحكم أهدرت مثل هذه البديهيات.

ليس لدى كلام فى موضوع القضية ولا فى حكم القاضى لصالح رئيس نادى القضاة وضد المستشار جنينة. لكن الحيثيات التى أودعها القاضى ونشرت الصحف تفصيلا لها هى التى تستحق مراجعة ومناقشة.

حين قال المستشار هشام جنينة فى حوار صحفى أن بعض القضاة الذين أشرفوا على الانتخابات التى جرت قبل الثورة اشتركوا فى تزويرها، فإن القاضى اعتبر ذلك قذفا خادشا للشرف والاعتبار، ومن ثم فإنه حكم بتغريمه، وهو ما قد نفهمه، إلا أن صاحبنا ما ان فرغ من الحديث عن القضية المعروضة عليه حتى تركه وتطرق إلى موضوع آخر لا علاقة له بدعوى القذف. فذكر فى الحيثيات ما نصه: «اتحدت إرادة قضاة الاستقلال المزعوم على هدم القضاء والقائه فى بئر من السياسة ليس له من قرار» وأقحم الإخوان فى الموضوع مشيرا إلى أنه «حينما انقض الإخوان على ثورة 25 يناير، كانوا هم ركائز النظام الغاشم ويده التى يبطش بها.. فكان منهم نائب رئيس الجمهورية (المستشار محمود مكى) الذى ناصر الإخوان على قهر إرادة الشعب.. ومنهم الوزير الذى كان يتباهى بأن نسبه إلى الإخوان شرف لا يدعيه (المستشار أحمد مكى الذى كان وزيرا للعدل) وسخر نفسه فى خدمة نظامهم الغاشم على حساب العدالة وحقوق الناس. فراح يزعم كذبا على الهواء أن إصابة أحد الشهداء كانت جراء حادث سيارة، وذلك على خلاف الحقيقة، إذ كانت نتيجة للتعذيب.. ومنهم من ترأس الجمعية التأسيسية للدستور (المستشار حسام الغريانى) فخط بيد آثمة وبليل بهيم أسوأ الدساتير.. وكبيرهم الذى كان رئيس للجنة التشريعية بمجلس الشعب المنحل (المستشار محمود الخضيرى). وقاسمهم المتهم الأول (المستشار جنينة) الذى قفز فى غفلة من الزمن، على رئاسة الجهاز المركزى للمحاسبات ومازال جاثما عليه. حتى منصب النائب العام (المستشار طلعت عبدالله) لم يسلم من سهامهم المسمومة، فنصبوا فيه نائبا خاصا، وكان نصيبه الطرد جزاء وفاقا لما اقترفت يداه.. والصورة الأخيرة لقضاة الاستقلال هى للمستشار زكريا عبدالعزيز (الذى اشترك فى المظاهرات وكان يبيت فى ميدان التحرير أثناء الثورة واختير عضوا بالمجلس الاستشارى للثورة وهو ما اعتبره القاضى من جرائمه وأبدى تعجبه واستغرابه من انه لايزال يعتلى منصة القضاء «رغم انه من المفروض أن يكون مصيره مصير النائب المطرود» (!!).

وبعد أن وزع القاضى إهاناته على أساتذته وزملائه المستشارين بما تيسر له من أوصاف خادشة للشرف والاعتبار. ذكر انهم «دأبوا على مهاجمة القضاء والتطاول عليه فى كافة القنوات الفضائية والجرائد اليومية، وكان آخر مخططهم الإجرامى تعديل قانون السلطة القضائية والإطاحة بما يزيد على 3 آلاف قاض.. ومن أفكارهم الشيطانية طرح مشروع التعديل على الحوار المجتمعى» ــ انتهى الاقتباس.

تثير هذه الحيثيات العديد من علامات التعجب والاستفهام. التعجب من النهج الذى اتبعه القاضى فى عرضها، حين ترك القضية الأصلية واستدعى خصوما لا ذكر لهم فى أوراقها ووجه إليهم مطاعن تمثل قذفا علنيا ويدينه بأكثر مما يدين الآخرين. والاستفهام ينصب عما دعا القاضى إلى ذلك وهو يعلم انه يهدر أبسط قيم وقواعد التقاضى.

لقد كنا نتحدث فى الماضى عن القضاء «الشامخ»، ولكننا تراجعنا خطوات إلى الوراء وما عدنا نشير إلى شموخه الذى تآكل بمضى الوقت بفعل ممارسات يعرفها الجميع، وصار غاية مرادنا أن نتعامل مع قضاء عادى لا نريد منه أكثر من أن يكون مستقلا ونزيها ــ وللأسف فإن الممارسات التى نشهدها، وما نحن بصدده، نموذج لها، تدفع بنا خطوات أخرى إلى الوراء. وتدعونا إلى تخفيض سقف الأمنيات والتوقعات. ذلك أنها تفضى إلى تآكل المقومات والركائز التى يقوم عليها مرفق القضاء الذى أصبح وجوده فى خطر، وغدا مهددا بين أن يكون أو لا يكون، بل اننى لا أخفى أن بعض المتشائمين من رجال القضاء المخضرمين ما عادوا يطرحون سؤال المصير بتلك الصيغة، لأنهم اعتبروا اننا تجاوزنا مرحلة السؤال، ووجدوا فى سيل الأحكام التى توالت خلال العام الأخير ما يعزز الإجابة السلبية عليه.
فهمى هويدى

 
 
   Bookmark and Share      
  
  قضاء هذا الزمان

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7