الثلاثاء 11 نوفمبر 2014

تنبع أهمية مسألة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم بمرتكبي الكبائر من أمته مع وجود الإيمان من كونها مسألة عقدية تواترت الأدلة من القرآن والسنة على ثبوتها عند أهل السنة كما يؤكد ابن القيم وغيره من العلماء, بينما أنكر ذلك المعتزلة بناء على شبهات اعتبروها أدلة.

وينطلق موقف المعتزلة في إنكار شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من أمته من كون أهل الكبائر لا يخرجون من النار بعد دخلوها, ويقصرون الشفاعة على التائبين من أمته صلى اله عليه وسلم دون الفساق, ويكون ذلك برفع درجاتهم في الجنة فحسب.

يقول القاضي عبد الجبار الهمذاني- أحد كبار مشايخ المعتزلة - في بيان رأي المعتزلة في الشفاعة: لا خلاف بين الأمة في أنَّ شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة للأمة، وإنما الخلاف في أنها تثبت لمن؟ ثم قال: فعندنا أن الشفاعة للتائبين من المؤمنين. (1)

ولعل ما حمل المعتزلة على إنكار الشفاعة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمرين اثنين هما:

1- اعتقادهم بمسألة الوعيد, وخلاصتها أن آيات الوعيد تتناول الفساق من المسلمين كما تتناول الكفرة, وأن المؤمن إذا خرج من الدنيا بكبيرة من الكبائر دون أن يتوب منها فإنه يستحق الخلود في النار، لكن عقابه يكون أخف من عقاب الكافر. (2)

2- استدلالهم ببعض الأدلة النقلية من القرآن الكريم حسب فهمهم الخاطئ, إضافة للأدلة العقلية, مما يمكن اعتبارها شبهات أيضا وليست أدلة.

وفي هذا التقرير سنعرض لشبهات المعتزلة في مسألة الوعيد مع مناقشتها والرد عليها, إضافة لشبهاتهم التي اعتبروها أدلة من القرآن أو العقل تؤيد مذهبهم والرد ومناقشتها والرد عليها باختصار.

أولا: بعض شبهات مسألة الوعيد والرد عليها: يستدل المعتزلة على مسألة الوعيد التي يعتقدون بها ببعض نصوص من القرآن الكريم أولوها بما يناسب معتقداتهم الخاطئة, ومن أبرز هذه الأدلة:

· قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة/81.

يقول القاضي عبد الجبار في بيان وجه الدلالة بالأية: دلت الآية على أن من غلبت كبائره على طاعته – لأن هذا هو المعقول من الإحاطة في باب الخطايا؛ إذ ما سواه من الإحاطة التي تستعمل في الأجسام مستحيل فيها– هو من أهل النار مخلد فيه. (3)

بينما الحقيقة أن الآية نزلت في اليهود بدلالة الآية التي سبقتها وهي قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} البقرة/80, فالآية إخبار عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة كما ذكر ابن كثير في تفسيره, كما أن القرطبي أكد أن كلمة "سيئة" تعني في الآية: الشرك كما نقله ابن جريج عن عطاء.

والمعنى أن من ارتكب المعاصي والكبائر حتى جَرَّته إلى الكفر واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه، وهذا لا يكون إلا فيمن كفر بالله, فالكفار هم الذين يدخلون نار جهنم ويلازمونها ملازمة دائمةً لا تنقطع.

· قوله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} الزخرف/74-75.

استدل أئمة المعتزلة بهذه الآية على أن المجرم اسم يتناول الكافر والفاسق جميعا، فيجب أن يكونا مرادين بالآية معنيين بالنار؛ لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه، فلما لم يبينه دلَّ على أنه أرادهما جميعا, فالآية تدل على أن الوعيد بالخلود لأنه لم يخص مجرما من مجرم، وبين أنهم خالدون في النار، والخلود هو الدوام الذي لا انقطاع له. (4)

والمعنى الحقيقي لكلمة "المجرمين" في الآية الكريمة: هم الكافرون, وعلى هذا جميع علماء التفسير من أهل السنة والجماعة, كالطبري وابن كثير والقرطبي وغيرهم, واستدلوا على ذلك بما قبل هذه الآية التي تحدثت عن أن كل من آمن بآيات الله داخلون في عباد الله الذين لا خوف عليهم كما ذكرت الآية, والفاسق آمن بالله وأسلم, فوجب أن يكون خارجاً عن هذا الوعيد, كما أن الرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن التي هي صفات المجرمين بقوله تعالى: {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} الزخرف/78.

· قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} النساء/93

استدل المعتزلة بهذه الآية على أن قتل المؤمن على وجه التعمد يستحق به الخلود في النار, ولا يمكن حمل الكلام في الآية على الكافر لأنه "من" لفظ عام, ولأن الله جعل ذلك الجزاء لهذا الفعل المخصوص. (5)

وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة بأن الخلود في الآية لمستحيل القتل، وهو كافر إجماعا, وفي هذا يقول الطبري عند تفسير هذه الآية: (قوله متعمداً) أي مستحلاً قتله, ويقول القرطبي حاكيا ما روي عن ابن عباس في معنى قوله تعالى(متعمداً) أنه قال: متعمداً أي مستحلاً لقتله ، وهو ما يؤدي إلى الكفر إجماعاً والكافر مخلد. (6).

ثانيا: أدلة المعتزلة في نفي الشفاعة: استدل المعتزلة على نفي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من المسلمين بأدلة من القرآن الكريم مما يمكن اعتبارها شبهات وليست أدلة, إضافة لبعض الاستدلالات العقلية المشهور اعتمادهم عليها في مذهبهم.

أما شبهاتهم من القرآن الكريم فأهمها:

· قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} البقرة/48

يقول المعتزلة على لسان كبير أئمتهم القاضي عبد الجبار: الآية تدل على أن من استحق العقاب لا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم له، ولا ينصره؛ لأن الآية وردت في صفة اليوم ولا تخصيص فيها، فلا يمكن صرفها إلى الكفار دون أهل الثواب، وهي واردة فيمن يستحق العذاب في ذلك اليوم، لأن هذا الخطاب لا يليق إلا بهم، فليس لأحد أن يطعن على ما قلناه بأن يمنع الشفاعة للمؤمنين أيضا. (7)  

وقد رد أهل السنة والجماعة على هذه االشبهة بأن الشفاعة المنفية في الآية هي الشفاعة للكافرين، ويدل على ذلك إجماع المفسرين على أن المراد بالنفس في الآية الكريمة هي: النفس الكافرة، أي النفس التي مات صاحبها على الكفر.

كما أن عدة أحاديث تثبت عكس ما ذهب إليه المعتزلة ومنها: قول رسول صلى الله عليه وسلم: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) المستدرك للحاكم برقم 228 وصححه الألباني.

وإذا ثبتت الشفاعة لأهل الكبائر؛ فلا بد من أن تكون الشفاعة المنفية في الآية إنما هي الشفاعة للكفار جمعا بين الآية والأحاديث. (8)

· قوله الله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} غافر/ 18

وقد استدل شيخ المعتزلة القاضي عبد الجبار بهذه الآية على أن الظالم لا يشفع له النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين لتحصل لهم مزية في التفضل وزيادة في الدرجات مع ما يحصل له صلى الله عليه وسلم من التعظيم والإكرام. (9)

ورد أهل السنة على الشبهة بأن المراد بالظالمين في الآية هم الكافرون، لأن الظلم إذا أطلق انصرف إلى الكفر، إذ أنَّ الكفر أعظم الظلم، بدليل قول الله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) لقمان/13, فعلى ذلك فالشفاعة المنفية عن الكفار، وصاحب الكبيرة ليس بكافر, قال ابن كثير : "ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير" (10).

· قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} سورة الأنبياء:28.

استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تكون إلا لمن كانت طرائقه مرضية، وأن الكافر والفاسق ليسا من أهلها, كما ذكر شيخهم القاضي عبد الجبار. (11)

وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة بأن معنى الآية هو: ولا يشفعون إلا لمن رضي الله تعالى أن يشفعوا له وأذن فيه, ومن ارتضاه الله تعالى للشفاعة هم الموحدون,  يقول ابن عباس والضحاك: (إلا لمن ارتضى) أي: لمن قال لا إله إلا الله. ومما يدل على أن الآية في الموحدين قوله تعالى: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} مريم/ 87, يقول المفسرين: إلا من قال لا إله إلا الله . (12)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية جوابا على من أنكر الشفاعة لأهل الكبائر بناء على الآيات السالفة: وَجَوَابُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ هَذَا يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ الْمُشْرِكِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي نَعْتِهِمْ : {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} المدثر42-47 , فَهَؤُلَاءِ نُفِيَ عَنْهُمْ نَفْعُ شَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا, وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُرَادُ بِذَلِكَ نَفْيُ الشَّفَاعَةِ الَّتِي يُثْبِتُهَا أَهْلُ الشِّرْكِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. (13)

وأما شبهات المعتزلة العقلية التي استدلوا بها على نفي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعصاة المسلمين من أهل الكبائر فأهمها:

· قول القاضي عبد الجبار شرح الأصول الخمسة عند المعتزلة: لقد دلت الدلائل على أن العقوبة تستحق على طريق الدوام، فكيف يخرج الفاسق من النار بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والحال ما تقدم؟!  

وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة العقلية بأن الأدلة الدالة على دوام العقوبة عامة، وأدلة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر خاصة، والخاص مقدم على العام، فوجب القطع بأن النصوص الدالة على الشفاعة مقدمة على العمومات الدالة على دوام العقوبة.

· تقول المعتزلة: أليس أن الأمة اتفقت على قولهم: "اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة" فلو كان الأمر على ما ذكرتموه لكان يجب أن يكون هذا الدعاء دعاء لأن يجعلهم الله تعالى من الفساق، وذلك خلف. (14)

ويرد القرطبي من أهل السنة على هذه الشبهة بقوله: إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرغب إلى الله في أن تناله لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب، ولا قائم بكل ما افترض الله عليه، بل كل واحد معترف على نفسه بالنقص، فهو لذلك يخاف العقاب ويرجو النجاة. (15)

كما أن العقل يجيز شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في عصاة الموحدين ولا يمنعها, وفي ذلك يقول أبو سعيد النيسابوري: إن قبول الشفاعة للعصاة ليس مما يحيله العقل، فإن من عصى مالكه وخالقه لا يستقبح في العقل أن تتشفع إليه بعض المختصين به، حتى يعفوا عنه، وإذا كان جائزا في العقل، فالسنة المستفيضة قد وردت به موجب الإيمان به فإن حملوه على الشفاعة - يقصد المعتزلة - لرفع الدرجات لم يصح، لأن في الخبر عن رسول الله أنه قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي). (16)

قد لا تكون هذه جميع شبهات المعتزلة النقلية والعقلية في مسألة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للعصاة من أمته, إلا أن التقرير أتى بمعظمها وأهمها باختصار, ولمن أراد الاستزادة فعليه بقراءة بحث قيم أعده الدكتور صالح الرقب بعنوان (موقف المعتزلة من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم عرض ونقد) فإن فيه تفصيل المسألة بشكل جيد.

إن الحقيقة التي يمكن استخلاصها في هذا الموضوع العقدي, أن الشفاعة ثابتة بالأدلة النقلية والعقلية, وأن نفي المعتزلة للشفاعة لا يستند إلى أدلة معتبرة, بل هي مجرد شبهات رد عليها أهل العلم الثقات من أهل السنة والجماعة, فجزاهم الله عن الأمة كل خير.

ـــــــــــ

الفهارس

(1) شرح الأصول الخمسة 690

(2) الملل والنحل للشهرستاني 1/45

(3) متشابه القرآن 1/97

(4) شرح الأصول الخمسة 660

(5) متشابه القرآن1/201، 202، وانظر شرح الأصول الخمسة ص659

(6) مختصر تفسير الطبري 1/119 تفسير القرطبي 5/334

(7) متشابه القرآن 1/90،91

(8) تفسير الطبري 2/33، القرطبي1/347

(9) متشابه القرآن 2/600 

(10) التفسير العظيم 7/137

(11) متشابه القرآن 2/499

(12) التفسير الكبير:الرازي 22/160

(13) مجموع الفتاوى 1/149

(14) شرح الأصول الخمسة ص 692

(15) تفسير القرطبي 1/ 380،381 .

(16) الغنية في أصول الدين:أبو سعيد النيسابوري 1/172

 
 
   Bookmark and Share      
  
 شبهات المعتزلة في الشفاعة والرد عليها

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7