الأحد 4 يناير 2015

عنوان البحث: بين عالمية الإسلام والعولمة(*)

إعداد: الدكتور صالح الرقب(**)

ـــــــــ

يهدف هذا البحث إلى بيان وجود فرق كبير بين مضمون العالمية ومفهومها الذي جاء به الإسلام، ومضمون العولمة ومفهومها التي تسعى أمريكا فرضها في العالم. ثمّ بيان تصورات العولمة ومظاهرها، ورؤى وتصورات عالمية الإسلام التي تتعلق بالإنسان والكون والحياة، وإثبات وجود خلاف بين منطلقات العولمة ومنطلقات الإسلام، وبين مجموعة القيم المحركة لكل منها. وإظهار سمات عالمية الإسلام.

وقد اعتمد الباحث المنهج الوصفي والتحليلي، ثم النقدي، وذلك بجمع المادة العلمية في القضية موضع البحث، ثمّ محاولة تحليلها، ومناقشتها ونقدها، ومن ثمّ الوصول إلى النتائج المرجوة.

وهذا البحث يتضمن ما يلي: تعريف العولمة لغة واصطلاحا، بيان أنّ الإسلام رسالة عالمية، السمات الرئيسة للعولمة، بيان أهداف وسلبيات العولمة في مختلف جوانب الحياة الإنسانية، بيان رحمة الإسلام للعالمين في مختلف جوانب الحياة الإنسانية، بيان أوجه الخلاف بين خصائص وسمات العولمة والعالمية.

وعليه جاء هذا البحث في مقدمة وخمسة مطالب، وخاتمة ذكر فيها الباحث أهم النتائج التي استخلصتها من هذا البحث.

المطلب الأول: أدلة عالمية الإسلام:

جعل الباحث هذا المطلب للحديث عن عالمية الدين الإسلامي، وسرد الأدلة على ذلك من القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) [الفرقان:1]، ومن السنة النبوية المطهرة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: قومه:"والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة"(1)، كما عرض الباحث لجملة من الأدلة العقلية التي تؤكد على هذه الفكرة، ومن ذلك دعوة غير العرب، والنداءات العامة في القرآن الكريم، وعالمية التشريعات والأحكام القرآنية، ومحاربة القرآن الكريم لدعاوى التفرقة بين الناس..

المطلب الثاني:معنى العولمة:

في هذا المطلب عرض الباحث لمعاني العولمة في اللغة والاصطلاح، وبعد عرض طائفة من التعريفات، قدم تعريفه الخاص، وهو أن العولمة"هي الحالة التي تتم فيها عملية تغيير الأنماط والنظم الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ومجموعة القيم والعادات السائدة وإزالة الفوارق الدينية والقومية والوطنية في إطار تدويل النظام الرأسمالي الحديث وفق الرؤية الأمريكية المهيمنة، والتي تزعم أنها سيدة الكون وحامية النظام العالمي الجديد".

 المطلب الثالث:أهداف العولمة:

أشار الباحث إلى عملية الخداع التي يقوم بها دعاة العولمة في الغرب وعملاؤهم في المنطقة العربية، ثم أخذ في توضيح الأهداف الخبيثة للعولمة والتي قسمها إلى أهداف سياسية وأخرى اقتصادية، ودينية، واجتماعية، وثقافية.

فبين أن من أهدافها الاقتصادية: السيطرة على رؤوس المال العربية، والهيمنة الأمريكية على اقتصاديات العالم، وتحقيق مصالح المجموعات الغنيّة في الدول الغربية.

ومن أهدافها السياسية: فرض السيطرة السياسية الغربية على الأنظمة الحاكمة والشعوب التابعة لها، وإضعاف فاعلية المنظمات والتجمعات السياسية الإقليمية والدولية، وإضعاف سلطة الدولة الوطنية، أو إلغاء دورها وتقليل فاعليتها، وأخطرها إحداث تجزئة داخلية في كل بلد عربي أو إسلامي.

والأهداف الثقافية للعولمة تلخصها مقولة للعالم الأمريكي المعروف ناعوم تشومسكي، يقول فيها: "إنّ العولمة الثقافية ليست سوى نقلة نوعية في تاريخ الإعلام، تعزز سيطرة المركز الأمريكي على الأطراف، أي على العالم كله".

ومن الأهداف الدينية القضاء على التعليم الديني والثقافة الإسلامية، التشكيك في المعتقدات الدينية، وطمس المقدسات لدى الشعوب المسلمة لصالح الفكر المادي اللاديني الغربي، أو إحلال الفلسفة المادية الغربية محل العقيدة الإسلامية.

من مخاطر العولمة في الجانب الاجتماعي: أنّها تركّز على حرية الإنسان الفردية إلى أن تصل للمدى الذي يتحرّر فيه من كل قيود الأخلاق والدين والأعراف المرعية، والوصول به إلى مرحلة العدمية..

المطلب الرابع: سمات عالمية الإسلام:

فيه أوضح الباحث أن عالمية الإسلام تقوم على نوعين من القيم:-

أولهما:قيم عامة تدخل بها المجتمع البشري، وهي:

1- العدل: بالإيمان وحدة النوع البشري في أصله ومصيره.

2- السلام: بالإيمان بحق الحياة للفرد، وللمجتمع البشري.

3- الحرية: بالإيمان بالكرامة الإنسانية.

 ثانيهما: قيم خاصة تلتزم بها في المجتمع الإسلامي، وهي:-

1- وحدة الإله المعبود، ووحدة الدين، ووحدة الأمة.

2- الأخوة الإسلامية: وصورتها الاقتصادية: التكافل الاجتماعي. وصورتها السياسية: الشورى والبيعة.

3-الجهاد إيمانا بضرورة تبليغ الدعوة، وضرورة حماية دولتها، وواجب صيانة القيم العامة.

المطلب الخامس: الفرق بين عالمية الإسلام والعولمة:

ومن الفروقات بين عالمية الإسلام والعولمة- وقد ذكر أكثر من ثمانية فروق- التي ذكرها الباحث أن عالمية الإسلامية ربانية في مصدرها، بينما العولمة بشرية المصدر، ومن ذلك أيضا أن المـنهج الإسلامي مبني على الإيمان والتسليم، والمتابعة والانقياد لجملة أصوله وأركانه، والتطبيق العملـي لتشريعاته وأحكامه. أما العولمة فقائمة الرفض من الشعوب، ولذا قابلت مؤتمراتها بالمظاهرات والمسيرات التي تعبر عن الرفض المطلق للعولمة. كما أن عالمية الإسلام تمتاز بالواقعية، فهي تصـور يتعامـل مـع الحقـائق الموضوعية ذات الوجود الحقيقي المستيقن، والأثر الواقعي الإيجابي. لا كالعولمة التـي تتعامل مع تصورات عقلية مجردة..

الخاتمة، وتتضمن أهم نتائج البحث، وهي:

- وجود فرق كبير بين مضمون ومفهوم (العالمية) الذي جاء به الإسلام، ومضمون ومفهوم (العولمة) التي يدعو إليها اليوم الغرب عامة، وأمريكا خاصة. وثمّ فرق بين عالمية الإسلام والعولمة، فللعولمة تصورات ومظاهر وتجليات وآليات عالمية، وللإسلام رؤى وتصورات عالمية تتعلق بالإنسان والكون والحياة، ولا تتطابق التوجهات في الحالتين، بل هناك خلاف بين منطلقات العولمة ومنطلقات الإسلام، وأيضا يوجد خلاف بين مجموعة القيم المحركة لكل منها ومفهوم العولمة.

- إنً الحضارة الإسلامية قامت على القاسم المشترك بين حضارات العالم، فقبلت الآخر، وتفاعلت معه أخذاً وعطاءً، بخلاف العولمة التي تعني الهيمنة بل إلغاء الآخر وخصوصياته الدينية والثقافية والخلقية والتشريعية.

-إنّ الإسلام يدعو إلى طلب العلم النافع الذي يفيد الإنسان، ويحقق له الخير، الحق، وكلّ ما جاءت به المدنية الحديثة من علوم ومخترعات وابتكارات، مما فيها نفع للناس، ويحارب كل علم ضار فيه فساد الإنسان أو هلاكه، أو إشاعة الشر في حياته، بينما العولمة بخلاف ذلك، فرغم ما أنتجته من المخترعات والابتكارات إلا أنّها ابتدعت علوماً ضارةً أو ابتكرت ابتكارات مخربة ومدمرة للأخلاق والقيم، ومهلكة للإنسان.

- إنّ غزو المسلمين للعالم كان بدافع حضاري فريد، فهم أصحاب رسالة عالمية موجهة للناس كافة، كلّفوا بتبليغها، وهم أهل مهمة الشهادة على الناس. ولقد أثَّروا في البلاد التي غزوها تأثيراً كبيراً، ونقلوا إليها دينهم وأخلاقهم وقيمهم ولغتهم، أمّا غزو الغرب للعالم فقد كان في أساسه لأسباب استعمارية، ولمصالح دنيوية، وقائم على التعصب الديني والعنصري.

- العولمة تسيّرها وتسيطّر عليها المادة في كل شأن من شؤونها، إنهّا مادّية بحتة تعاني فيها الإنسانية من طغيان المادة عليها، ولذا فأهلها يعيشون في حالة تيه وضياع، وتشتت وانحلال، بينما عالمية الإسلام توازن بين المادة والروح في نظرتها للإنسان، بحيث لم يطغ أحدهما على الآخر، فالإسلام نظام شامل للحياة والآخرة يقول الله تعالى:(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)[القصص:77]. 

- العولمة تكرّس الأنانيّة، وتعزّز المصلحة الشخصية، وتعمل على تنمية الحرية الفردية، دون مصلحة الجماعة، عالمية الإسلام تقوم على تحقيق المصلحتيْن معاً مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة؛ لأنَّه يحد من حرية الأفراد الاقتصادية بالمقدار الذي يؤمِّن مصلحة الجماعة، فهو نظام وسط في تحقيق التوازن بين الطبقات والأفراد، فالنظام الاقتصادي الإسلامي يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، ونظام الحكم في الإسلام يهدف إلى تحقيق العدالة بين الناس، لأنّه نظام عالمي.

ـــــــــ

(*) قدم هذا البحث لمؤتمر التربية الأول بعنوان "التربية في فلسطين ومتغيرات العصر".

(**) أستاذ مشارك- قسم العقيدة- كلية أصول الدين- الجامعة الإسلامية-1425هـ - 2004م.

(1) رواه أحمد في المسند 2/66، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 8/302، وقال رواه أحمد ورجاله ثقات.

 

لتحميل الدراسة:

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  بين عالمية الإسلام والعولمة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7