الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الاول من تقارير عام 2016
 
الخميس 26 مايو 2016

عن الهرم الذي يقف مرتكزًا على رأسه.. عن الاستبداد
هنادى قزحلاوى
وفقًا لما تعلّمته في الهندسة، فإن الهرم لا يمكنه أن يرتكز مستويًا إلا على قاعدته، أما في المجتمعات المستبدة فقد تم إقناع الشعوب بأنّ الهرم يستوي على رأسه واقفًا.

في هذه المجتمعات يتم إلغاء شخصية الشعوب المحكومة أمام عظمة الحاكم وحكومته.

الحاكم يحمل هم الأمة، والجماهير تريد منه نظرة رضا.

وبما أنّ الإنسان يولد حرًا فطريًا، فكيف تم استعباده!

يحيلنا هذا التساؤل إلى دراسة الاستبداد وتاريخه، وأثره على الحالة النفسية والذهنية للإنسان وعلى سير المجتمعات، وهو أمر يصعب دراسة جميع أطرافه في مقالتنا هذه.

ولكن فلنتناول بعضًا من الأسباب التي جعلت هذا الإنسان يتحوّل عن الحريّة التي جعلها الله حقًا له وحجّة عليه، إلى العبودية.

– إن لذلك أبعادًا داخليةً تتعلّق بسطوة الحكومات الاستبدادية على مجتمعاتها عن طريق التجهيل والتخويف والتجويع والإنهاك، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تخفى على المواطن العربي والتي تتناوشه حتى تدمّره، وأما الأبعاد الخارجية، فتتمثّل بالاستعمار الحديث والدول التي ترعى أولئك المستبدين، للإبقاء على حالة التخلّف التي تعني الإبقاء على سوق لمنتجاتها من ناحية، ومصادر للموارد الأولية تتبضّع منها بأرخص الأسعار، إن لم يكن بالمجّان.

– داخليًا يتم تحطيم الإنسان من خلال سيطرة الدولة على جميع مفاصل الحياة عبر جميع دوائرها، تنتهك خصوصية الإنسان وتدخل الدولة بين المرء وزوجه، فيبدو مقيّدًا من عنقه يرزح تحت قيود الاستبداد، لا يرى إلا الزعيم العظيم، باني الوطن وقاهر الأعداء، تم غرس هذه الصورة في رأسه، فبات رأس الهرم بالنسبة له «كل» الهرم.

نتيجة لدوّامة الاضطرابات النفسية (القلق، الخوف، الجوع، التعب، الألم…) التي يتم محاصرة الإنسان فيها، تسيطر عليه مشاعر الاحتقار والتبخيس لذاته – كما يصفها الدكتور مصطفى حجازي في كتابه التخلف الاجتماعي، ذاته التي يتمّ التأكيد بين الحين والآخر من قبل الإعلام على أنها ذاتٌ مستهلِكة غير منتجة تقبع في ذيل التصنيف البشري، عكس الرجل الأبيض العصري المنتِج.
مع الضخ الإعلامي من قبل أبواق الاستبداد وتلميع صنمه، تزداد لدى الإنسان مشاعر التحقير والتبخيس لذاته، وتتعاظم إلى جانبها من ناحية أخرى مشاعر التعظيم للمستبد، فتتكون لديه قناعة – أقرب للإيمان – أن الزعيم خُلِقَ ليكون زعيمًا يحكم وأنه – الإنسان المقهور – لا يملك أن يقود زمام أمره، ونتيجة لمشاعر الاحتقار الذاتي هذه تنشأ لدى المواطن عقدة نقص – وفقًا للدكتور حجازي – تولّد عنده حالة من عدم الثقة بجماهير مجتمعه الذي ينتمي إليه.

يقول الدكتور مصطفى حجازي في كتابه التخلف الاجتماعي:

«ومن البديهي أن ذلك الموقف يهيئ هذه الجماهير إلى التعلق بالزعيم الفرد، تعلّقًا يغري بالتسلط والدكتاتورية، تحت شعار إنقاذ الوطن وخلاص الجماهير، إنسان العالم المتخلّف يفتقر نظرًا لما يعانيه من مشاعر دونية إلى الإيمان بالجماهير، يحس إحساسًا عميقًا بأنه لا يمكن أن ينتظر شيئًا يذكر من هذه الجماهير المقهورة على غراره».

تساهم جميع مؤسسات المجتمع في تنمية بذور الاستبداد، فمنذ اللحظات الأولى لتشكل الوعي لدى إنسان مجتمعاتنا المتخلفة المقهورة وعلى خط سيره في هذه الحياة ترافقه علاقة (التسلط – الرضوخ)، في منزله مع والده (رب الأسرة)، وفي المدرسة مع المعلّم الذي لا ينطق إلا حقًا ويحمل عصاه بيده ليؤدبه إن أخطأ، وحين يتحوّل إلى العمل، يجد المدير أو صاحب العمل فوقه يحمل سوط التهديد بيمينه ويلوّح به لمن لا يرضخ لأوامره.

في كل لحظات حياته يعيش هذا المقهور تكوينًا نفسيًا قائمًا على ذوبان كيانه الشخصي أمام شخص السيّد.

«يأتي الأب بما يفرضه من قهر على الأسرة من خلال قانون التسلط والرضوخ الذي يحكم علاقاتها… يغرس الخوف والطاعة في نفس الطفل ويحرم عليه الموقف النقدي مما يجري في الأسرة». التخلف الاجتماعي، مصفى حجازي ص83.

«وتتابع المدرسة عملية القهر والشلل الذهني التي بدأت في الأسرة من خلال سلسلة طويلة من الأنظمة والعلاقات التسلطية يفرضها نظام تربوي متخلّف، ومعلمون عاجزون عن الوصول إلى قلوب الطلاب وعقولهم إلا من خلال القمع». التخلف الاجتماعي، مصفى حجازي ص84.

– يأتي الخطاب الديني – السلطاني – مؤيدًا لإلغاء شخصية الإنسان المقهور أمام شخصية القائد (وليّ الأمر).

إن الخطاب الديني المعظّم لولي الأمر، وكذلك تأويل الآيات والأحاديث والأحداث التاريخية بما يخدم المستبد ويشكّل لدى إنسان مجتمعنا قناعة أنه كـ«السفيه» ولا بد له من ولي أمر.

يتم تصوير أفراد المجتمع وفقًا لهذا الخطاب كما لو كانوا قطيعًا يحتاج إلى من يقوده.

تصبح الشورى التي أمر الله بها نبيه «غير ملزمة» ويتم الحديث عن أهل الحل والعقد دون الحاجة لرأي الأمة في القضايا المصيرية، ويصبح الحكم باسم الله ومن يخالفه يخالف الله.

يأتي الخطاب الديني ليصف الزعيم بصفات تقرّبه تارة من الأنبياء، وتارة أخرى من الصّحابة، حتى ليُخيّل للجماهير أنّ الملائكة تصافح زعيمها كل صباح ومساء!

كل هذا يؤسس للاستبداد جذورًا عميقة نظرًا للروح الإسلامية لدى مجتمعاتنا.

الخطاب الديني المبني على القرآن والسنة وهدي الخلفاء الراشدين، أسس لحريّة الإنسان ولدوره في بناء المجتمع، كان ذلك قبل أن يُؤوّل ويبدّل.

– إنّ رد الانهيار النفسي لإنسان مجتمعنا وذوبان ذاته – وتصعلكها – أمام ذات الزعماء، إلى جملة من العوامل الداخلية المتعلّقة بالاستبداد ليس كافيًا، فهذا القهر له أسباب خارجية أيضًا.

هذا القهر الذي يمارس على الإنسان ما هو إلا شكل من أشكال الاستعمار الجديد (استعمار الإنسان)، إذ لم يعد مطلوبًا تدمير المجتمعات بقصفها وتدمير بنيتها التحتية، الاستعمار الجديد أيقن بأن تدمير الإنسان وقهره أوسع تدميرًا وأكثر ديمومة من القصف والاحتلال العسكري.

لذلك كان من الضروري العمل على تقزيم إنسان مجتمعنا أمام قادته، فأصبح الإنسان المقهور «شيئًا» لا يستحق الذّكر، وأصبح القائد هو «الإنسان» العظيم.

– لا بد من إعادة تشكيلٍ وهدم لكثير من المعاني والمفاهيم المسيطرة في مجتمعنا، علينا أن ندرك أن المجتمعات لا تقوم على فرد «القائد» وأن التنمية الحقيقية للمجتمعات ليست بتلك المشاريع الضخمة – التي لا يتم تنفيذها غالبًا – التي تصنع المزيد من الهالة حول القائد وإنما بتنمية الإنسان.

الأمر بحاجة إلى دراسات وإلى مختصين وإلى مجهودات تبذل، أوقات تُستغل، وأموال تنفق، وهذه المقالة ليست إلا صيحة للتذكير بما يُمارس ضدّ «الإنسان».

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم:

«وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا».
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 عن الهرم الذي يقف مرتكزًا على رأسه.. عن الاستبداد

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7