الرئيسة تقارير وتحليلاتالجزء الثانى من تقارير عام 2016
 
الإثنين 6 يونيو 2016

جمال سلطان يكتب: الدولة لا تتصدق على شعبها ولا تذله
من البديهي أن يرحب أي إنسان بأي جهد "خيري" يصل إلى الفقراء والمساكين والغلابة في بر مصر ، ولكن أحيانا الوسيلة إلى ذلك ورمزيتها تكون مشكلة ، وبالتالي يكون ضررها المعنوي والسياسي أكبر كثيرا من فائدتها المحدودة والمؤقتة ، أقول هذا الكلام بمناسبة ما يتقاطر علينا طوال اليومين الماضيين من إعلانات لبعض المؤسسات والأجهزة الأمنية والعسكرية عن تقديمها "كراتين" من المعونات إلى "شعب مصر" ، مع حرص على التصوير والنشر على نطاق واسع في الصحف والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي ، وبدا كما لو كان هناك سباق غير مفهوم بين أجهزة أمنية وعسكرية في هذا المضمار ، فنشرت صور لكراتين "الخير" التي تقدمها المؤسسة العسكرية إلى "شعب مصر العظيم" كما كتب عليها ، كما نشرت صور أخرى لكراتين تقدمها "المخابرات العامة" إلى شعب مصر العظيم ، ونشرت صور أخرى لكراتين تقدمها الشرطة ومديريات الأمن إلى شعب مصر العظيم ، وأنا أقدر الروح الطيبة والعفوية التي فكر فيها بعض المسئولين لتقديم يد العون للمحتاجين ، وخاصة في ظروف شهر رمضان المبارك حيث تصفو النفوس وتكون أحرص على عمل الخير وتقديم الصدقات والزكوات للغلابة والفقراء ، وأسأل الله أن يتقبل من الجميع صالح أعمالهم وصادق نواياهم .

لكن العلاقة بين السلطة والشعب لها حساسيتها ، كما لها قوانينها المؤسسية في الحقوق التي كفلها الدستور ، كما لها "تراتيب" في المرجعية والسيادة ، فالشعب هو السيد ، وهو "اليد" العليا ، وهو صاحب السيادة ، وبالتالي تعامل الدولة ومؤسساتها معه ينبغي أن تكون وفق هذه البوصلة ، لا يصح أن تكون المؤسسة أو الجهاز الذي يتلقى راتبه ومخصصات علاجه ورعاية أبنائه اجتماعيا من هذا الشعب أن يعلن عن تقديم "صدقة" للشعب أو مساعدة ، فالشعب هو صاحب المنح هنا وليس جهة أخرى ، وإذا كانت هناك قطاعات من الشعب تضررت من أحداث طارئة أو عوارض ، فإن الدولة تقوم "بوظيفتها" في خدمة الشعب وإنقاذه ، باعتبارها "أجيرة" عند هذا الشعب ، ودورها أن "تخدمه" ، وسواء كانت المعونة العاجلة مالية أو من غذاء أو كساء أو دواء ، فإن هذا يتم من خلال عمل مؤسسي "كريم" ، تقوم به الوزارة "المسئولة" وأي جهة أو فرد يريد أن يشارك في ذلك ، يكون عن طريق الوزارة المسئولة ، باعتبار ذلك عملا وظيفيا تقتضيه "الوظيفة" التي كلفه "الشعب" بها ، وإذا قصرت الجهة المسئولة تحاسب لأن ما تقوم به ليس "صدقة" وإنما واجب وظيفي ، ويمكن التساهل مع الأفراد إذا أرادوا تقديم بعض "الصدقات" أو المعونات أو الزكوات لجيرانهم أو معارفهم أو فقراء قريتهم أو مدينتهم ، فهذا تعاطف شعبي مع بعضه البعض في إطار "عرفي" لا يلزم به دستور أو قانون ، ولكن تعامل مؤسسات الدولة وأجهزتها في هذه المسائل يختلف تماما عن ذلك ، لأنها ليست مسألة عرفية ، بل قانونية ودستورية ، وحتى "المعونات" التي تقدم من أجهزة أو مؤسسات مصرية لأي دولة في الخارج تكون قد تعرضت لمحنة طارئة تكون باسم "شعب مصر" ، ويكتب هذا على الشحنات المرسلة ، وليس باسم هذا الجهاز أو تلك المؤسسة أو حتى الحكومة المصرية ، وهذا عرف جرى في علاقات الشعوب ببعضها ، حفاظا على الكرامة الإنسانية ، فالحفاظ على كرامة شعبنا أولى في هذه الأمور .

كرامة الوطن من كرامة شعبه ، وهيبة الدولة من احترام شعبها وتكريمه ، وشعار "ارفع رأسك فوق أنت مصري" ليس مجرد ألفاظ أغنية ، وإنما ينبغي أن يكون "مرآة" واقع ، تحرص فيه الدولة وأجهزتها ومؤسساتها على الابتعاد عن كل ما يمثل "إهانة" للشعب أو تقليلا من كرامته ، أو إيحاء بذله وهوانه ، الدولة لا تتصدق على شعبها ولا تمد له يد العون ، بل تقوم بواجبها الدستوري في كفالة العيش "الكريم" له ، ورعايته التامة من كل الوجوه ، فمن أجل ذلك يتقاضى المسئولون رواتبهم ويمنحون سلطتهم ، ويرفلون في خير الشعب ، من أول رئيس الجمهورية إلى أي مسئول حي ، مرورا بأي وزير أو قائد أو محافظ .

نحن مجتمع متدين بالفطرة ، والدين عميق في هذا الوطن عمق التاريخ فيه ، ولذلك من الطبيعي أن تكون روح التعاطف ونشر الخير حاضرة لدى الجميع ، مسئولين وقادة ومواطنين عاديين ، وأسأل الله أن يتقبل من الجميع ، وكل عام وأنتم بخير

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الدولة لا تتصدق على شعبها ولا تذله

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7