الثلاثاء 6 يوليو 2010

هكذا تفعل المذاهب الغربية المادية بأقطاب العلمانية من العرب الذين يُرجعون أصل الألوهية والعبودية الى جذور صراعات طبقية، وكذلك ارجاع لفظ "الإسلام" -كما فعل الجابري (توفي يوم3 مايو، أيار 2010)- وكأنه ظهر لحاجة زعيم محلي شكّل جماعة ناقمة، يبحث عن طاعتهم فيتوسل الى ذلك -بعد فترة- بنحت مصطلحات، فالمَرَد عندهم انما هو الحاجة الظرفية للانفصال عن قبيلة او لمشروع قبيلة!! (خليل عبد الكريم يجعل الهدف قرشيا وسيد القمني يجعله هاشميا!)، وذلك لينفّروا الناس عن القرآن ومصدره الحقيقي وعالميته وربانيته. وهذا أحدهم نصر أبو زيد الذي أرجع أمر الوحي وموقف قريش منه الى صراع بين أيديولوجيات، وسمى القرآن بالأيديولوجيا الجديدة! (انظر كتابه مفهوم النص، ص139)، يقول: "فالواقع أولا والواقع ثانيا والواقع أخيرا" (نقد الفكر الديني ص130). وماذا فعل الواقع أيها المسكين تجاه وعود الوحي القرآني المهيمنة على المادة والأسطورة؟ (اصيب نصر ابو زيد في منتصف شهر يونيو2010 بفيروس غامض  تمكن من المخ مما أدخله في غيبوبة شديدة، وتوفي يوم الاثنين 5 يوليو 2010) وهل يمكن ان يعكس الواقع او الاسطورة وعود بهذه الثقة والقوة والتحدي بالتحقق المادي والمعنوي المستقبلي في التاريخ؟!! (والذي صَدَق فيه كله) والتي نُظهرها في سلسلتنا هذه، سلسلة "المراغمة الاسلامية للخرافة العلمانية"، ومنها الوعود العلمية "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شهيد" من سورة فصّلت و(هي مكية!)الآية 53؛ فهل هذه الوعود المسطورة في قدرة بشر!؟ لقد تَحَقَقَت وعود الانتصار القرآنية الخاصة بالأفراد والجماعات والإمبراطوريات في "أسرع تاريخ تحقق" في عالم البشر، في سرعة مذهلة اندهش لها كتاب التاريخ في الغرب والشرق. وهو دليل على ان حقائق الوحي ليست انعكاسات لبؤس أرضي او لمنتج ثقافي او تطور بيئي أو اسطوري او حاجة عربي او (تحقيق لحلم اجداد كما زعم القمني وخليل) وإلا فأروني أيها الماديون العلمانيون من يقدر على هذا كله، يسطره قبل ان يحققه!! ، غلبة بعد قلة وضعف، وانتشار بعد انحسار، وسرعة لا مثيل لها ادهشت عقلاء العالم، وانهزام امبراطوريات وقوى محلية صعبة المراس مستحيل زحزحتها قيد شبر بوعود كلامية بشرية بلاغية!، والأمم المقهورة تطلب الفتح بل تعلن انتماءها العقدي للفاتحين المطهرين، وحضارة علمية تُقام على نتائجها العلمية حضارة بعدية، اي الحضارة الغربية، لا تعترف سرا ولا علنا لها بالفضل اللهم الا في كتابات مهجورة او مسطورات غير منشورة او مشهورة، فضلا عن الإعتراف بفضل الوحي القرآني ، الأصل في التغيير الاكبر، ولا يمنع هذا أن نرى أكابر علماء التاريخ الغربي يعترفون بالفضل لحضارة العرب وقليل منهم يقول: حضارة الإسلام، ولنا سؤال يدفعنا السياق اليه، ألا وهو: من قدّم للعرب الدافع والفكرة والحقيقة والتصور والمعنى والمغزى والمنهج لصنع حضارة؟!)

وقبل أن نمضي في طريقنا مع  العلمانيين العرب نقدم بين ايديكم الإجابة  من المفكر المجري "ليوبولد فايس" والذي كان جده من علماء اليهودية، وقد أسلم "ليوبولد " في عشرينات القرن الفائت، وسمى نفسه "محمد أسد" يقول:" أن التاريخ يبرهن وراء كل إمكان للريب أنه ما من دين أبدا حث على التقدم العلمي كما حث عليه الإسلام، وأن التشجيع الذي لقيه العلم والبحث العلمي من الدين الإسلامي انتهى إلى  ذلك الإنتاج الثقافي الباهر في أيام الأمويين والعباسيين وأيام دولة العرب في الأندلس. وأن أوروبا لتعرف ذلك حق المعرفة لأن ثقافتها هي نفسها مدينة للإسلام بتلك النهضة على الأقل بعد قرون من الظلام الدامس" (الإسلام على مفترق الطرق ص70-71،  ترجمة عمر فاروخ، الطبعة السادسة، دار العلم للملايين، بيروت 1965م).
ذكرتُ أن الجابري يتستر ويتخفى في مشروعه الأخير عن القرآن فلم يقل كل شيء بصورة مباشرة بل بإلتفاف وبنقد غير مباشر ، يعتمد فيه غالبا على ذكاء القارئ ولماحيته وفطنته (بحسب ألفاظ خليل عبد الكريم في وصف مشروع محمد أحمد خلف الله الغير مباشر في نقد الوحي القرآني) كما فعل الجابري نفسه قبل ذلك مع مشروعه عن العقل العربي والإسلامي، في هذا السياق يعرض الجابري رؤيته للأوضاع  وموقفه من النقد المباشر للقرآن ، في كتابه (التراث والحداثة) بقوله:"لا ارى ان الوطن العربي في وضعيته الراهنة يتحمل ما يمكن ان نعبر عنه بنقد لاهوتي ... لنا حرمات يجب ان نحترمها حتى تتطور الامور" (ص259-260). يقول ايضا: "يجب ألا نيأس وألا نقنط لان المرحلة مرحلة قرن او قرنين" (ص252). لقد قال طرابيشي، وسيأتي الرد ان شاء الله على كتابه "المعجزة أو سبات العقل في الإسلام"!، بأن الجابري تصدى للعقل الاسلامي في شبه حصان طروادة (مذبحة التراث ص118). ويقول محمود امين العالم (علماني!) "اما ...الجابري فهو ...يرى ان ذلك ينبغي ان يتحقق من داخل التراث نفسه" (محطات في التاريخ والتراث ص51)  فالعلماني المتستر بالتراث لايستطيع قول كل شيء لأنه كما قال فؤاد ذكريا، العلماني،  فإن هذا الصنف من العلمانيين يلعب في ملعب الخصم! ، أضاف: "وتظل  مناقشاته ملتوية غير مباشرة"(الصحوة الإسلامية في ميزان العقل لفؤاد زكريا ص 157) وقد عرضتُ في كتابي "اقطاب العلمانية في العالم العربي والإسلامي" الصادر عن دار الدعوة، الاسكندرية، في الفصل الأول منه تصور هذا الفريق من العلمانيين المتسترين بالنصوص كمحاولة لتخريب معناها من الداخل وهو مايعني احداث عملية تسلل الى داخل الإسلام والتلاعب من خلال ذلك بالنصوص  ودعم الموقف العلماني من خلالها! وهؤلاء يختفون داخل حصان طروادة وهو يخفي داخله الف عنصر من العناصر المعادية  للإسلام ، وطريقة التستر بالنصوص هذه واجراء عمليات تخريبية علمانية بها انما هي محاولة للإنتقام من الإسلام لأسباب معروفة وماهؤلاء العرب الا دمى تحركهم أطماعهم ، وأطماع أسيادهم، وأساطيرهم الخاطئة عن الإسلام  والتي تلقفوها من اساطير غربية معادية للإسلام في أثواب منمقة وجديدة ،كما عرضت موقف فريق آخر من العلمانيين ومنهم فؤاد زكريا من هذا الخداع الذي يقيد حركة الناقد العلماني الآخر الذي يفضل النقد  المباشر  ومناقشة النصوص من الخارج بدون خضوع للنص كما قال زكريا ردا على الفريق الآخر  المخالف لمشروعه المباشر في النقد ، ، مع ان زكريا يتخفى اعلاميا ايضا!(انظر اقطاب العلمانية ، الطبعة  الأولى لسنة 2000، ص40-42) ، فالعلماني العربي الذي يتستر بالنصوص وهو يحاول ، جاهدا ، هدمه هو في الحقيقة  مستشرق  متخفي في جثمان عربي! ا_ولن يقدرون ولو اتخذ بعضهم بعضا ظهيرا- ، وقد أشار اليهم رسولنا صلى الله عليه وسلم بقوله "دعاة إلى أبواب جهنم... هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا".

 يقول محمود امين العالم ايضا وهو من كبراء العلمانيين –كفؤاد زكريا-وخبير بطرقهم ومذاهبهم ، قال: "محمد أركون مستشرق فرنسي من أصل جزائري له عناية بالإسلام ... يتساوق فيه أو يتبارى مع زميله المغربي محمد عابد الجابري، وتنحدر دراسات الزميلين من تراث الاستشراق العريض بالدرجة التي تجعلهم مجددين تراث الاستشراق ضمن مؤشرات الطور الراهن للايديولوجيا الغربية" (ص159). يقول محمود اسماعيل (وهو قطب علماني كبير):"ان انجازاتهم ما هي الا تطفل على الاستشراق، لانهم قاموا بمجازفات أو تطبيقات لمناهج ورؤى وإديولوجيات -واللفظ له- جرى اعتسافها (انظر كتابه سوسيولوجيا الفكر الإسلامي -محاولة التنظير الجزء العاشر ص16 و17 و23 و25). كما يقول ايضا: "من المفيد ان اوضح ان الاستاذ الجابري كان في مستهل حياته العلمية ماديا جدليا تاريخيا، وبرغم نكوصه فإنه لم يستطع الانفكاك من رؤيته السابقة يستعين بها ... لتغطية عجز منهجه البنيوي، وسواء أكان ذلك عجزا ام بوعي فالثابت تواجد اصداء التحليل الماركسي في كتاباته الاخيرة" (من كتابه فكرة التاريخ بين الاسلام والماركسية ص95). وكأنه هو ايضا -اي محمود اسماعيل- لم يشرب من النهر المسموم ولم يغترف منه، وهو الذي قال ان منهج المادية التاريخية "منهج قادر على التنظير"!(10/43) ويصف نفسه براهب في ديرها "تأسيسا على هذه الحقيقة قضينا ما يقارب ثلاثين حولا في اعتكاف "رهباني" بغية الوصول إلى فهم حقيقي" (10/37).
هذه أدلة على التحريف والتلفيق والإلتفاف والخداع ، أضعها  كنماذج بين يدي القارئ للتعريف بالذين يخرجون على القرآن بمذاهب : ماركس –الذي هو باعتراف اهله وكتاب سيرته كان قذرا في ملبسه و رائحة جسده- ونيتشه (اللوطي) (انظر عن شذوذه كتاب فؤاد زكريا "نيتشه"(وفؤاد زكريا هو شيخ العلمانيين في عالمنا))، وفرويد،  وميشيل فوكو( وفوكو هو فيلسوف فرنسي(من الشواذ ايضا) حاول الإنتحار عام 1948، توفى وعمره لايتجاوز السابعة والخمسين، نتيجة مرض الإيدز ، في باريس في 26 يوليو 1984)  (وقد التقط المرض من النشاطات المثلية التي عايشها ومارسها  في سان فرانسيسكو وباريس. و"لويس ألتوسير" ((1921-1990م البنيوي المنظر لتجديد الماركسية  واستاذ الفيلسوف الفوضوي ميشل فوكو . ، يقول "ألتوسير" في كتابه الاخير (المستقبل يدوم طويلا!) "انا ... شخص مختف: لا حي ولا ميت. انا غير موجود بكل بساطة على الرغم من اني لا ازال حيا جسديا. صحيح اني لم ادفن بعد، ولكني "بلا أثر." وهذا هاشم صالح العلماني في مقاله  المشهور "عباقرة على حافة الهاوية"  يذكر لنا علاقة فوكو بلويس التوسير:" كان لويس ألتوسير يقول: أنا وميشيل فوكو كنا نمشي على خيط رفيع جدا جدا فوق هاوية سحيقة لا قرار لها، هو نجا منها وأنا هويت..والواقع أن فوكو كان مهددا بالجنون طيلة حياته الأولى كلها. ولم ينج منه إلا بعد أن كتب أجمل كتاب عن تاريخ الجنون في اللغة الفرنسية(...) وعندما قرأ التوسير المقدمة الأولى للكتاب عرف بان فوكو نجا من جنونه بعد أن حجمه وسيطر عليه بضربة إبداعية خارقة(...) وللأسف فان فوكو حذف هذه المقدمة من الطبعات التالية على الرغم من أنها تشكل نصا رائعا شكلا ومضمونا. انه نص نيتشوي متفجر(...)، نص يوحي بالانتصار على الذات بعد معركة ضارية" ويقول هاشم ايضا :" من المعلوم أن ميشيل فوكو ختم كتابه الشهير "تاريخ الجنون في العمر  الكلاسيكي" برفع ثناء حار الى الجنون"!

وقال ايضا عارضا  لنا حالة السلسلة العلمانية الصنمية التي هي سلف حداثي للعلمانيين العرب الذين يقدمون نظريات واساطير ملفقة للقدح في القرآن : " والواقع ان مفكري أوروبا وشعراءها وفنانيها كانوا قد دفعوا ثمن تشكل الحداثة باهظاً. فمن نيتشه الى بودلير الى رامبو الى هولدرلين الى أنطونين أرتو الى ميشيل فوكو الى لويس ألتو سير الى إدغار ألان بو الى فيرجينيا وولف الى كافكا الى لوتريا مون، الى غويا ، الى فان غوخ... نجد أن القائمة طويلة، طويلة من أولئك الذين جنُّوا أو عانوا أو انتحروا.. (مقاله "بين العبقرية والجنون"). ويقول في نفس المقال عن نيتشه" وفي عام 1880 كان عمر نيتشه 36 سنة. عندئذ ترك الجامعة بعد أن قدم استقالته وذهب لكي يعيش حياة التشرد والضياع على الطرقات والدروب. وهكذا ابتدأ يصبح فيلسوفاً حقيقياً. ولكن مزاجه كان دائماً متقلباً وفكرة الانتحار تلاحقه باستمرار. وقد اشتد تأزمه بعد أن فشل حبه الكبير للغادة الحسناء: لواندريا سالومي. ويبدو أنه قام بثلاث محاولات انتحار فاشلة عن طريق تجرع كميات ضخمة من سائل الكلورال. ولكنه لم يمت. والغريب العجيب أنه على أثر تلك الفترة بالذات راح يكتب رائعته الشهيرة: هكذا تكلم زرادشت وهكذا أنقذ من الجنون ولو إلى حين.." وقال ايضا " يقول عالم الطب النفسي الكبير إيسكيورول بأن الشخصيات الكبرى في التاريخ هي شخصيات "مرَضية" ويضرب على ذلك مثلاً لوثر، وباسكال، وجان جاك روسو، الخ... وقد استعاد هذه الفكرة بعده طبيب نفسي أقل شهرة هو "لولوت" الذي كتب السيرة الذاتية المرَضية لشخصيتين كبيرتين هما: سقراط و باسكال. وكان عنوان الأولى: "شيطان سقراط " والثانية "تعويذة  باسكال ""

ويقول عن شيخ فؤاد زكريا :" فأوغست كونت الذي كان يهذي والذي حاول الانتحار اكثر من مرة هو نفسه أوغست كونت الذي أسس الفلسفة العلمية التي رافقت صعود العصر الصناعي في  الغرب." يقصد  المفتون بالفلسفة العلمية ، الفلسفة الوضعية التي جعلت الدين مرحلة متجاوزة في تاريخ البشرية!

ونتركه اخيرا يذكر لنا ماذا كان حال هذا الرجل الذي فتن كثير من العلمانيين العرب بفلسفته الوضعية التي قالت بتجاوز الدين ! :" والآن من يصدق ان الفيلسوف الفرنسي الكبير أوجست كونت، مؤسس الفلسفة الوضعية، كان على حافة الجنون أكثر من مرة، وانه حاول الانتحار عن طريق رمي نفسه في نهر السين !.. فيما ان الوضعية تمثل قمة العقلانية في الغرب(...)، فإن أحدا لا يتوقع ان يكون مؤسسها قد أصيب بالجنون، أو بالانهيار السبي، في بعض مراحل حياته "!

هؤلاء هم النماذج المقلدة الذين يقدمون على القرآن وتعارض بهم نصوصه!

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 حصان طروادة العلماني، الجابري متسترا

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7